ظل ومازال الابتعاث للدراسة والتدريب خارج المملكة يشكل رافداً رئيساً لدعم تطوير وتأهيل الكفاءات الوطنية في مختلف التخصصات، وفي البدء كانت تقدم المغريات والحوافز والتسهيلات لاستقطاب المزيد من المبتعثين، أو الملتحقين بالتعليم العالي بصفة عامة ولكن بعد انحسار الطفرة الاقتصادية وتوفر البرامج الجامعية والعالية محلياً تم تقليص أعداد المبتعثين بشكل مطرد. أكرر الكتابة في موضوع الابتعاث على ضوء ماعلمته من توجه وزارة التعليم العالي بالتعاون مع عمادات الدراسات العليا بالجامعات من مراجعات للوائح، ورغم أن تلك المراجعات تركز على اللوائح والاجراءات الا أنني أرى أن موضوع الابتعاث يواجه تحديات عامة أتمنى أن تؤخذ في الاعتبار لنتجاوز مجرد تغيير نصوص اللوائح الى تطوير الفلسفة والرؤية العامة للابتعاث وأبرز تلك التحديات أختصره في مايلي:
أولاً : التحدي المتعلق بفلسفة الابتعاث وأهدافه القصيرة المدى والبعيدة.
ثانياً: التحدي التنظيمي المتعلق بتطوير معايير الابتعاث، عدالتها وموضوعيتها.
ثالثاً: التحدي الاقتصادي، والمتمثل في نقص الموارد المالية المتاحة لبرامج الابتعاث.
لنبدأ بالحديث عن التحدي الأول المتعلق بفلسفة وأهداف الابتعاث، فما ألحظه حالياً هو التركيز على الابتعاث في التخصصات التي لايوجد لها مثيل داخلياً، فعلى سبيل المثال يسري الابتعاث في بعض التخصصات الطبية والهندسية في الدراسات العليا فقط، ولكن تم تقليص أو الغاء الابتعاث في مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية، وفي الدراسة الجامعية الأساسية، وكأن فلسفة الابتعاث تتمثل في بعد واحد فقط، ألا وهو الحصول على عدد كاف من حملة الشهادة العليا لسد الشواغر الوظيفية، وحسب هذه الفلسفة فان برامج الابتعاث ستتقلص يوماً بعد يوم وربما يحلم البعض بالاستغناء عنها عندما تكتمل برامج الدراسات العليا في التخصصات المرادة محلياً. هذا هدف مشروع ومطلوب ولكن جعله الهدف الرئيسي من الابتعاث يدل على قصور في فهم أهمية الابتعاث، قصور بدأنا نلحظ خطورته وضرره في بعض التخصصات التي قلص او ألغي فيها الابتعاث. في مجال العلوم الانسانية والاجتماعية على سبيل المثال أصبح هناك ثغرة كبرى في مجال الدراسات الاجتماعية والانسانية والتربوية وستزداد تلك الثغرة بتقاعد الجيل البارز في تلك المجالات قريبا، والثغرة لا تتمثل في الأعداد فتلك التخصصات تعاني بطالة واضحة ولكن في النوعية والابداع والتجديد الفكري و الفلسفي والعلمي لتلك التخصصات، وهو تجديد يتجاوز أثره تلك التخصصات بصبغتها الأكاديمية الى التأثير في الحركة الثقافية والفكرية والحضارية بصفة عامة، لأن الابداع من شروطه الاطلاع والنهل من حضارات العالم المختلفة ومعارفها وعلومها وطرقها البحثية والعلمية، وليس مجرد تدوير أفكار قديمة تخرج حملة شهادات وليس مبدعين في مجال تخصصهم أو الاتيان بنظريات جديدة لم يتم التدرب عليها عمليا وتطبيقياً في مراحل التعليم الجامعية الأساسية (سبق أن تطرقت الى هذا الجانب في مقالات ذات علاقة بالجانب التربوي والتعليمي) ليس بالضرورة ابتعاث الجميع ولكن الأمم بحاجة دائماً الى تطوير نخب فكرية وعلمية قادرة على فلسفة رؤيتها المستقبلية وتأسيس حضارتها العلمية والانسانية، وانكفاؤنا في برامج الابتعاث وحصرها في تخصصات محدودة يعني أننا لم ندرك ضرورة الاحتكاك المباشر الذي يوفره الابتعاث مع المدارس العالمية المختلفة، وتصور البعض بجهل بأن مجرد ايجاد برنامج جامعي أو برنامج دراسات عليا يعني أننا حزنا المعارف والتقدم بكل أبعادها ولم نعد بحاجة الى مزيد من الاحتكاك مع المدارس العالمية، و لم ندرك لماذا تبتعث اليابان أفضل بلد تقنياً ابناءها للدراسة في الخارج ولماذا تحث الجامعات الامريكية ابناءها الأمريكان على الدراسة والتدريب في جامعات غير أمريكية بشكل كامل أو جزئي، ولماذا تستقطب بعض الجامعات الأجنبية الأساتذة من الخارج، رغم تخريجها مئات من المتخصصين في تلك المجالات.
الجانب الآخر في الابتعاث يتمثل في اختيار المبتعثين، وهناك طريقتان لذلك (نكتب عن الابتعاث الحكومي هنا)، فهناك الترشيح عن طريق الجهات المستفيدة كالجامعات والقطاعات المختلفة، ولكل قطاع سياسته المختلفة في كيفية الاختيار وفق منظورها واحتياجاتها وامكاناتها، ويفترض ان يتحمل نتائجها المستقبلية، وهناك الابتعاث المباشر أو ما أسميه بالابتعاث الحر، حيث ان المبتعث متحرر من الارتباط بأية قطاع أو وظيفة بذاتها، يطلب منه العودة اليها بعد انهاء البعثة، وهو الذي يتم عن طريق وزارة التعليم العالي مباشرة. الملاحظة تكمن هنا في عدم وضوح مبررات الاختيار أو الترشيح للبعثات التي تتبناها وزارة التعليم العالي، فهي تبتعث في تخصصات ترى أننا بحاجة، أو هكذا يفترض، ولكن كيف يتم اختيار الأشخاص الذين يتم ابتعاثهم عن طريق وزارة التعليم العالي؟! في ظل التنافس والطلب المتزايد للالتحاق ببعثات التعليم العالي، حان الوقت لمزيد من الوضوح والشفافية في هذا النوع من الابتعاث، وتحديداً أراه مطلباً تحديد واعلان نوعية التخصصات وعدد البعثات المطروحة سنوياً، ومن ثم ايجاد آلية عادلة لاختيار الأفضل والأكفا للحصول على تلك البعثات، كأن يتم اجراء نوع من المفاضلة أو المسابقة بين المتقدمين الراغبين في الحصول على الابتعاث. ليس مطلوبا من الجميع أن يكون لهم علاقة بوزارة التعليم العالي أو أن يتقدموا بطلبات شخصية غير معروف مصيرها في الموافقة أو الرفض، أو أن يدرسوا على حسابهم الخاص في العام الأول، وانما يفترض اتاحة الفرص للجميع وفق مبادئ موضوعية عادلة، تكفل اختيار الأفضل.
أمام نقص موارد الابتعاث وحاجة بعض القطاعات برزت نماذج من الابتعاث غير المتعارف عليها في الابتعاث الحكومي، حيث نجد احدى الجهات تبتعث بشرط حصول المبتعث على راتبه المحلي فقط، أو بشرط التنازل عن الراتب المحلي، أو بشرط دفع الرسوم الدراسية فقط.. بل أن احدى الجهات تنتدب من يعمل بمكاتبها الخارجية بمسمى وظيفي رغم أنهم في الحقيقة يواصلون دراستهم أو تدريبهم العالي…المتعارف عليه أن يحصل المبتعث على راتب بعثه في مقر الدراسة ونصف راتبه الأساسي محليا.. لا أستطيع اطلاق حكم عام تجاه تلك التجارب، ولكن أتساءل ان كان لدى وزارة التعليم العالي ولجان الابتعاث والتدريب بوزارة الخدمة المدنية دراسات موضوعية تقييمية حول تلك التجارب من كافة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والعملية، أم أن الموضوع يحدث وكأنه التفاف على الأنظمة تتبناه بعض الجهات، وليس للجهات المعنية كالتعليم العالي حق الاطلاع عليه؟ هناك حاجة لمقارنة برنامج الابتعاث بمختلف القطاعات من ناحية العائد والتكلفة الاقتصادية والمخرجات وغيرها، كما أن هناك حاجة للمقارنة والاطلاع على تجارب الدول الأخرى، فربما نخرج بأفكار أو تجارب تسهم في تطوير نظام الابتعاث بصفة عامة.
الجانب الاقتصادي بلاشك يلعب دوراً كبيراً في توفير مزيد من فرص الابتعاث، و بتجاوز الظروف المحلية وضرورة زيادة موارد الابتعاث وضرورة تبني خطة استقطاب للقطاع الخاص ليسهم بشكل أكبر في برامج الابتعاث، وحالياً هناك مساهمات خجولة من بعض الجهات، في تقديم منح ابتعاث لوزارة التعليم العالي أو الجامعات، ولكن لايبدو أن وزارة التعليم العالي جادة في استقطاب القطاع الخاص والأهلي لدعم برامج الابتعاث التي تتبناها، وآن الأوان لأن تسعى في هذا الشأن وتقوم بخطة مدروسة لاستقطاب اسهامات القطاع الخاص في الابتعاث، فعلى سبيل المثال ماالذي يمنع التعليم العالي من اعلان والاحتفاء بالمنح التي قدمها القطاع الخاص ؟ مالذي يمنع أن توجد منح باسم أشخاص أو شركات أو مؤسسات يشرف عليها التعليم العالي ولكنه لا يغفل الحق الدعائي والاعلامي لمقدمي المنح الدراسية، حيث بعض الجهات تود أن تبرز اسمها مقابل تبرعها؟ ليس بالضرورة ان يتبرع القطاع الخاص بمنح دراسية كاملة، وانما يفترض أن توجد مرونة في هذا الشأن، كأن تكمل وزارة التعليم العالي المنح المقدمة لتصبح مماثلة لمنحها الحكومية.. الخ.
هناك بعد آخر يتمثل في كون الجامعات الأجنبية تتعامل معنا على أننا دولة غنية لا تستحق أن يقدم لطلابها منح دراسية، بينما هي تقدم ذلك لطلاب من دول أخرى، و نحن لم نمانع أو نعارض هذا المفهوم، بدليل أن أطباءنا يعملون، تحت مسمى التدريب في الجامعات الأمريكية والكندية وفوق ذلك ندفع رسوما دراسية للجامعات التي يعملون بها، فعلى سبيل المثال يدفع الطبيب السعودي المتدرب بجامعات كندا حوالي 20ألف دولار أو تزيد وتعادل أكثر من 50ألف ريال سعودي، كرسوم تدريب بينما زميله الكندي أو القادم من الهند أو البرازيل يحصل على راتب لا يقل عن 18ألف دولار سنوياً، حتى أنه يقال بأن كل طبيب السعودي بكندا يصرف على طبيب كندي أو أن كل طبيبين سعوديين يصرفان على تدريب ثلاثة أطباء كنديين. هذا الوضع فرضته الحاجة علينا، ولكن هل بذلنا جهدا لتغييره؟ هل يمكن التفاوض مع الجامعات الأجنبية لأجل تخفيض رسوم الدراسة و التدريب لأبنائنا المبتعثين والمتدربين؟ لا أعلم امكانية ذلك ولكن أفترض بأنه عندما تدرب جامعة ثلاثين طبيبا سعوديا يدفعون رسوما للجامعة لا تقل عن مليون دولار سنوياً، فانه ليس عيباً التفاوض معها على امتيازات اضافية أو على الحصول على منح مجانية لبعض متدربينا؟ هذا مجرد مثال يتطلب أن لاتكتفي الجهات المعنية بالدفع فقط، بل عليها أن تنشط في الاستفادة القصوى من برامج الابتعاث، و أن نعلم بأن الجامعات والمستشفيات الكندية والأسترالية والبريطانية وغيرها تستفيد من أطبائنا وبالتالي يجب التفاوض معها على هذا الأساس، وسيكون أكثر جدارةً لو تم ذلك بشكل جماعي من قبل دول الخليج أو الدول العربية النفطية، لأنها تقريباً الدول التي تدفع أعلى رسوم دراسية لأطبائها المتدربين في الخارج.
مثال آخر: نعلم بأن العديد من الجامعات الأجنبية تقدم منحا دراسية للأجانب، وفي الغالب لايستفيد الطالب السعودي من تلك المنح، وهنا ربما يتطلب الأمر أن تتولى وزارة التعليم العالي ممثلة بملحقياتها دراسة الوضع، بل وربما تسويق تلك المنح للشباب السعودي والتفاوض مع الجهات التعليمية و المانحة ليحظى الطالب السعودي بحظوظ مماثلة لما يحظى به الطلاب الأجانب من الدول المختلفة في هذا المجال و تغيير فكرة أن الطالب السعودي شخص مرفه ومقتدر تأتيه المنحة الحكومية السعودية متى أراد. بل أرى أن تشجع وزارة التعليم العالي الحاصلين على منح من جهات أجنبية بتسهيل ابتعاثهم ودفع الفروق التي تكفل امكانية الابتعاث، فعلى سبيل المثال عندما يحصل أحدهم على منحة دراسية تعفيه من الرسوم الدراسية بجامعة أجنبية، يجب تشجيعه وضمه للبعثة فوراً، فالقدرة على الحصول على منحة دراسية دليل تفوق بحد ذاته، يتطلب الدعم والمؤازره. طلاب الدراسات العليا بالجامعات الأجنبية لايعتبر تفوقهم الأكاديمي المعيار الرئيسي للقبول في برنامج الدراسات العليا، وانما قدرتهم على الحصول على منحة دراسية أو بحثية سواء عن طريق الجامعة أو المشرف الدراسي أو الجهات المانحة الأخرى.
اذاً أخلص الى أن برامج الابتعاث بحاجة الى وضوح أكثر في فلسفتها وأهدافها وبحاجة الى تجديد في جوانبها الاقتصادية والتنظيمية، بشكل يضمن لنا الاستفادة القصوى منها كمياً ونوعياً، وأعتقد بأن لدى الجهات المعنية رصيد كاف على مدى عقود من برامج الابتعاث، هي بحاجة الى دراسته والاستفادة منه، كما أنها بحاجة الى التعمق في فهم برامج الدراسات والتدريب العليا بالجامعات التي يتم الابتعاث اليها ليمكن الاستفادة منها، بشكل يتجاوز مجرد كتابة شيكات الرسوم الدراسية الطلاب السعوديين نهاية أو بداية كل عام لتلك الجامعات والجهات.
أسئلة تبحث عن اجابة
علمت بأنه جرى منذ سنوات وبجهود متميزة من قبل الملحقية التعليمية السعودية بأوتاوا، تفاوض مع الكلية الملكية الطبية الكندية للاعتراف بمراكز تدريب داخل المملكة، وهو ماقد يسهم في المستقبل بتوفير مبالغ كثيرة تصرف في تدريب الأطباء حالياً بكندا و في الارتقاء ببرامج التدريب الطبية محليا، وفي حالة تم ذلك الاتفاق ستكون المملكة أول دولة شرق اوسطية تحظى مراكزها باعتراف الكلية الكندية الطبية. أيضاً المعلومات التي لدي تقول بايجابية موقف الكلية الكندية في هذا الشأن، على الأقل من الناحية المبدئية مع وجود بعض الشروط المادية أو التطويرية للبرنامج المحلي، ولكن هناك تعطيل من قبل الجهات المعنية داخل المملكة لذلك الاتفاق، وهو تعطيل يستند الى بيروقراطية ونظرة آنية من قبل البعض. ترى من هي الجهة التي أعاقت ذلك الاتفاق؟ هل هي الهيئة السعودية للتخصصات الصحيه؟ هل هي الجامعات السعوديه؟ هل هي وزارة الصحة؟ ام من ياترى له مصلحة في وأد ذلك الاتفاق الذي كان وشيك الحدوث، بما له من ايجابيات يدركها العاملون في المجال الطبي والتعليمي والتدريبي؟