من المميزات التي يحظى بها مقالي الأسبوعي هنا كبر المساحة التي تتيح المجال للإسهاب في الأمثلة والنقاش ومحاولة الإيضاح الوافي لما اطرحه من فكرة أو افكار خلال المقال الواحد. بعيداً عن اعتبار المقال الطويل إيجابية أو سلبية في نظر القارئ، فإن هذه الإطالة تتيح للقارئ كذلك فرصة اقتناص ما يروق له والتركيز عليه كوجهة نظر مخالفة أو كدفاع يحاول معه تفنيد الرأي الذي أطرحه، كما حدث، على سبيل المثال، مع تعقيبين كريمين وردا حول ماطرحته سابقاً في موضوعي “الخدمات الصحية بالحرس، حتى لا يكون العزف منفرداً” و”مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي ماذا بعد؟” من قبل سعادة الدكتور عبدالمجيد عبدالكريم من الحرس الوطني وعبدالرحمن النعيم من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث، حيث أتت التعقيبات انتقائية ركزت على بعض الأمثلة أو النقاط ولم تتعمق في مناقشة الافكار الرئيسية التي طرحتها وكنت امل مناقشتها. وهذا يدفعني للكتابة مرة أخرى لمزيد من الإيضاح والتعليق.
الدكتور عبدالمجيد العبدالكريم، من الخدمات الصحية بالحرس الوطني، بعث بتعقيب لم يود أن يأخذ الصيغة الرسمية وبالتالي لم يتم نشره، وأشار فيه إلى خطئي وجهلي بالمعلومات حيث أشرت إلى أن أول برنامج زراعة كبد تم في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث والصحيح أنه تم في مستشفى القوات المسلحة، كما أسهب في التأريخ لبرامج زراعة الكبد بالمملكة وإثبات وجهة النظر القائلة بعدم إيجابية تعدد مراكز زراعة الكبد بمنطقة واحدة، وربما بالمملكة. لن أعيد ماورد من تفاصيل في التعقيب رغم احتوائه على توثيق يشكر عليه كاتبه في موضوع زراعة الكبد وإنما أشير إلى أن ذلك فعلاً ما وددت تأكيده باستخدام برنامج زراعة الكبد كمثال لتعدد وازدواجية بعض الخدمات الصحية في المنطقة الواحدة بشكل غير مبرر علمياً وإداريا واقتصادياً، ولكون مرد ذلك عدم التنسيق بين القطاعات الصحية وعزف كل منها بشكل منفرد. عدم التنسيق أو الازدواجية هذه تنطبق على برامج أخرى غير برامج زراعة الكبد، وقد أشار إليها أحد مسؤولي الشؤون الصحية بالحرس الوطني، ألا وهو سعادة نائب المدير التنفيذي للخدمات الصحية بالحرس الوطني الدكتور عبدالله الربيعة في لقاء نشر بجريدة الوطن بتاريخ 24ذو الحجة.
لم يكتف الدكتور عبدالكريم بالتطرق إلى سلبية تعدد مراكز زراعة الكبد المكلفة في منطقة واحدة في ظل شح واضح في عدد المتبرعين وإنما ألمح، إلى تجاوز مجرد الازدواجية المبنية على حسن النية وعدم التنسيق إلى التنافس بين بعض القطاعات الصحية الحكومية حيث ذكر بأن برنامج مستشفى الملك فيصل التخصصي لزراعة الكبد توقف نتيجة لبعض التنسيق لفترة من الزمن ثم عاد بعد انتقال جراح الكبد الوطني من مستشفيات الحرس إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي، مما يعني أن التنسيق لم يدم وبأن التنافس يمتد إلى محاولة كل جهة اجتذاب كوادر الجهة الأخرى إليها بشكل يفترض عدم حدوثه في قطاعات صحية جميعها حكومية وفي مدينة واحدة.
أشكر للدكتور إيضاحه للبرامج التي تتميز بها مستشفيات الحرس الوطني، من وجهة نظره، ولكنني اذكر بأنه لم يكن هدفي حصر أو تقييم برامج مستشفيات الحرس الوطني وإنما رأيتها مثالا بارزا لما أسميته العزف المنفرد لكل قطاع صحي، ففي تقييم المجموعة لايعنينا إبداع عازف مهما علا شأنه بشكل منفرد وإنما نبحث عن عزف المجموعة ككل، وهنا نبحث عن التكامل والتناسق والتناغم في الخدمات الصحية الحكومية.
أشار سعادة الدكتور عبدالكريم إلى مجلس الخدمات الصحية وكأنه يحمله المسؤولية في ضعف التعاون وعدم التنسيق بين القطاعات الصحية المختلفة. بكل أسف المجلس المشار إليه يعتبر مجلسا وهميا أعلن عنه ولكن لم يتم تشكيله على أرض الواقع وحتى في حالة قيامه بالصيغة المقترحة فإنه لا يأمل منه الكثير كما ألمح إلى ذلك معالي الدكتور فهد العبدالجبار، رئيس الشؤون الصحية بالحرس الوطني في أحد اللقاءات الصحفية له بجريدة الرياض. لكي ينجح المجلس يجب أن يكون له مرجعية عليا وصلاحية أو أمانة مستقلة بعيداً عن إشراف وزير أو وزارة الصحة المباشر على المجلس.
سعادة الدكتور عبدالرحمن النعيم رئيس المديرين التنفيذيين بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث تم نشر تعقيبه على مقال “مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي وماذا بعد؟” بصفحة الرأي للجميع، ورغم أن ظاهر التعقيب المطول هو التبرير أو النفي أو الدفاع، فإنه أثبت الحقيقة التي لم يكن بالإمكان تجاهلها، ألا وهي التضخم الذي يعانيه التخصصي، بل لمست إيحاء بأن هناك المزيد من التوسع في مجال التوظيف كمبرر للتوسعات الحديثة في المستشفى وليرتفع نواب المديرين إلى 32نائب مدير تنفيذي..!!
أكرر رؤيتي، التي لم يؤيدها سعادة الدكتور النعيم، بأن ماذكر يعتبر تضخما لا يتفق مع المفهوم الإداري الاقتصادي الحديث الذي يجعل ترشيد النفقات وتقليص التضخم الوظيفي أحد أهداف المؤسسة الرئيسية لتحسين المخرجات مقابل المدخلات، بل ان التضخم يتعارض مع التفاخر بتوسع المستشفى في استخدام التقنيات الحديثة، لأن من مبررات اقتناء التقنيات الحديثة تحسين المخرجات وترشيد النفقات بما فيها الكوادر البشرية، وليس مجرد ملاحقة الموديلات والصرعات التقنية الحديثة كمن يبدل سيارته كل عام بحجة تغير الموديل ووجود ماهو أحدث وأريح في القيادة.
لم نكن بحاجة إلى التذكير بتاريخ وإنجازات التخصصي فهو صرح طبي ذو تاريخ عريق، وإنما أراه مثل أية مؤسسة أخرى تنشد استمرار النجاح، بحاجة إلى الحفاظ على تاريخها وسمعتها التي عرفها الناس بها والتخلص من كل ترهل بيروقراطي أو وهن تنظيمي يعتريها، وكانت ملاحظتي تنصب على كون تفعيل دور مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي، التي اقرها المقام السامي، سيسهم في إعادة الهيكلة التنظيمية والوظيفية لمستشفى الملك فيصل التخصصي وفروعه ومراكزه.. تلك المؤسسة التي تجاهل أو نسي الدكتور النعيم في تعقيبه المليء بتعداد الإنجازات وسرد التاريخ، مناقشتها رغم أنني اعتمدت إبراز ضرورة تفعيلها بشكل صريح، ليس فقط فيما بين الاسطر وإنما في العنوان الرئيسي الذي جاء، مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي وماذا بعد؟!.
بالنسبة لمؤتمر دبي وقد تطرق له التعقيب بشيء من الدفاع والتفاخر بمنجزاته الإعلامية فباختصار أتمنى، من منطلق وطني، تنظيم مثل ذلك المؤتمر داخل بلادنا لتحضر هوبيكنز ومايو إلى الرياض أو جده بدلاً من دبي، ولتتاح الفرصة لشريحة أكبر من أبناء الوطن للوصول إلى مؤتمر بهذا الحجم، ولنخدم البرنامج السياحي والعلمي والإعلامي المحلي بتنظيم مثل ذلك المؤتمر داخل البلاد.
أثرت موضوع التدريب بكل من مستشفى الملك فيصل التخصصي والخدمات الصحية بالحرس الوطني، ضمن المؤشرات، ورأيت بأنه يجب التركيز على التدريب العالي للأطباء بالمستشفيات المتخصصة والمتقدمة كمستشفيات الحرس والتخصصي، بدلاً من السعي نحو إنشاء كليات طب تدار عن طريق المستشفيات. كلا التعقيبين لم يقنعاني بأنهما يستفيدان بالشكل الأمثل من إمكانياتها في برامج التدريب، فلازالت برامج تدريب الأطباء في التخصصات العامة والدقيقة لديهما متواضعة مقابل مايتوفر لهما من إمكانات مادية وبشرية ضخمة، حتى وإن حاول البعض ذر الرماد بإعلان الأرقام ضمن صيغ جمعية وتراكمية للإيحاء بكثرتها. لازلت أرى أن استقدام الكفاءات العالمية المتميزة لمجرد أداء العمل الأكلينيكي الروتيني اليومي دون الإسهام منها بشكل فعال في تطوير برامج تدريبية محلية متيمزة هدراً وبذخاً ليس له ما يبرره، وبالذات وتلك الكفاءات كانت تقوم بمهام التدريب والتعليم والبحث قبل ان نستقدمها إلى بلادنا.
هناك من ألقى اللوم على الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في مجال نقص البرامج التدريبية. لا أريد الدفاع عن هذه الهيئة الصامتة، هيئة التخصصات الصحية، ولكنني أفهم بانها مجرد جهة مشرعة أو رقابية تجيز البرنامج أو ترفضه بناء على معايير محددة لديها، ومادامت المستشفيات لديها القدرة على التوسع في برامج التدريب فلم تتم إعاقتها؟ هذا السؤال بحاجة إلى المزيد من البحث والنقاش بين الهيئة والجهات التدريبية المختلفة.
بالنسبة للكليات الطبية فوجهة نظري التي أكررها في هذا الشأن واضحة وأعتقد أنني أنطلق فيها من مرجعية أكاديمية إدارية وتنظيمية شاملة وليست مجرد مرجعية صحية أو تنافسية انية. أنا أطالب بعدم قيام كليات طب أو معاهد صحية تابعة للمستشفيات، اياً كانت تلك المستشفيات، بل أشجع قيام كليات تابعة لجهات أكاديمية معترف بها تتخذ من تلك المستشفيات مراكز تعليمية وتدريبية لها، فعلى سبيل المثال اقترح قيام إحدى جامعات الرياض الخاصة أو الحكومية بإنشاء كلية طب أو كلية صحية يكون مستشفاها التعليمي أو أحد مستشفياتها هو مستشفى الملك فهد للحرس الوطني أو مستشفى الملك فيصل التخصصي. أشدد على وجهة النظر هذه وأطالب بفرضها من قبل المؤسسات التعليمية المعنية، حتى لانكرر أو نزيد فوضوية التنظيم الإداري التعليمي ونسير عكس التيار الإداري الإصلاحي لهيكلة النظام التعليمي. أعلم بان هناك رغبة في توطين الوظائف الصحية وبعض الجهات ترى أن لديها الإمكانات المادية لتبني قيام كليات طبية والبعض الاخر يعتقد أن تلك الكليات ستدر دخلاً مناسبا، ولكن ذلك ليس مبررا لخرق التنظيم الإداري وعدم الالتزام بوضوح المرجعيات الإدارية لكل قطاع، حتى لا تتكرر تجربة كليات المعلمات والمعلمين في المجال الصحي.
لقد وصف الدكتور النعيم مستشفى الملك فيصل التخصصي بأنه مستشفى تخصصي يعالج الأمراض النادرة واعتبر ذلك احد مبررات ضخامة مصروفاته، وهذا الوصف يتناقض مع مقومات إنشاء كلية طب، حيث ان كلية الطب يفترض أن تخرج أطباء عامين يتطلب تعليمهم التدرب في مستشفيات وعيادات عامة وشاملة، فهل ستخرج كلية طب التخصصي أطباء عامين أم أطباء متخصصين في الأمرض النادرة كأمراض السرطان وغيرها من التخصصات التي يدعي المستشفى تخصصه وتفرده في علاجها؟ ليس هناك ما يمنع الاقتداء بالنماذج العالمية المعروفة كمايو كلينك التي أشار إليها الدكتور النعيم في ثنايا تعقيبه، ولكن الموضوعية تتطلب إيراد نبذة عن تاريخ الجهة التي نقارن أنفسنا بها من ناحية التنظيم الإداري الأعلى والتخصصات والمصادر المالية والبرامج التدريبية.. إلى اخره، لأن كل تجربة لها طبيعتها وبيئتها ومكوناتها المختلفة.
أشجع قيام التخصصي وغيره من المستشفيات باستغلال الموارد الذاتية وتنميتها طالما لن يخل ذلك بالواجبات المهنية الأساسية للمستشفى، ولكن يقلقني ان أرى إدارة مستشفى تحاول إدارة عمليات استثمارية ضخمة كالفندقة وعمليات أكاديمية معقدة ككليات الطب وغير ذلك تحت مظلة هيكل إداري مالي موحد يفترض أن خبراته ومؤهلاته محصورة في العمل الإداري الصحي وليس الاستثماري أو الأكاديمي. مثل ذلك سيقود إلى التضخم الإداري وإلى تشعب الاهتمام وتشتت الأولويات وربما تعارضها مع المهمة الرئيسية للمؤسسة الصحية، الا وهي خدمة المرضى.
فكرة الفندق أو تنمية الموارد غير الصحية يمكن أن تتبناها مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي مستقبلاً ضمن قطاع أو إدارة مستقلة تٌعنى بالاستثمار الذاتي أو تنمية الموارد الذاتية غير الصحية تكون مرجعيتها المباشرة مجلس إدارة المؤسسة وليس إدارة المستشفى، أسوة بما اقترحته سابقاً بأن يتبع المؤسسة كيانات مستقلة مثل مستشفى التخصصي بالرياض ومستشفى التخصصي بجدة ومركز الابحاث ومستشفى الأطفال وغيرها.
أكرر تقديري لجميع الاراء واعتزازي بالكلمات الطيبة التي أوردها كل من الدكتور النعيم والدكتور العبدالكريم بحق شخصي المتواضع، وأوضح للجميع بأنني أطرح رأيا نقديا يحمل وجهة نظر عبر مقالة صحفية مهما حرصت على وضوحها فإنني لا أدعي بأنها توثيق بحثي علمي يتصف بالتجريد الخالي من الرأي الشخصي، وبالتالي لا أتوقع ولا أفرض على الاخرين أن تكون اراؤهم نسخا مكررة لما أطرحه، حيث الاختلاف في وجهات النظر إيجابية تسهم في الوصول إلى حوار بناء وموضوعي.
ايضاً يجب الإشارة إلى أن ماطرح هنا وفي المقالات السابقة تعنى به جميع القطاعات الصحية، وعلى رأسها وزارة الصحة التي نطالبها إبداء وجهة نظرها سواء في الموضوع بشكل عام أو حيال النقد الموجه هنا لمجلس الخدمات الصحية وللهيئة السعودية للتخصصات الصحية وكلاهما يرأسهما معالي وزير الصحة الموقر.