التوجه السائد في خطابنا الإداري الحالي يرتكز في الجانب الاقتصادي على مشروع الخصخصة وتشجيع القطاع الخاص على المزيد من الاسهام في ادارة العجلة الاقتصادية والتنموية وفي الجانب التنموي الاجتماعي على اتاحة مزيد من الفرص العملية للمواطن او ما يعرف بمشروع السعودة، ولأجل هذين المشروعين يتم تحديث واصدار كثير من النظم والتشريعات الإدارية والتنظيمية والاقتصادية، التي أقدرها كمتابع للجهود والمحاولات القائمة في هذا الشأن، وليس كناقد اقتصادي او قانوني متخصص بالبحث في ثنايا النظم وتفنيدها بنداً بنداً. في الجانب المهني اجدنا نتحدث عن ضرورة السعودة وكيفيتها في مختلف المهن والمجالات ولكنني في خضم كل ذلك أجد ان هناك صوتا غائبا وسط كل هذا الضجيج، ألا وهو صوت اهل المهنة أنفسهم، وهذا يقود الى اسئلة، أطرحها كمقدمة لهذا المقال:
هل يوجد لدينا صوت مهني (من المهنة أياً كانت تلك المهنة)؟
من يحق له التحدث باسم المنتمين إلى مهنة محددة، وكيف حصل على ذلك الحق؟
هل المتحدثون والمنظرون في وسائل الإعلام هم يمثلون حقاً الصوت المهني لمهنهم المختلفة، أم أن صوتهم يبدو مجلجلا فقط لأنهم الاقدر على الاعتلاء الكلامي والأقدر على بناء العلاقات الإعلامية التجارية الاجتماعية؟
عند الحديث عن الخصخصة يجدر بنا استقراء التجارب المتقدمة فالقضية ليست مجرد نقل ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص، بل ان هذا النقل في الملكية يجب أن يضمن استمرارية تقديم الخدمة لأكبر شريحة ممكنة من المواطنين والمقيمين، ويجب أن يضمن الارتقاء بجودة الخدمة وحقوق العاملين وحقوق المستهلكين على السواء، فكيف يحدث ذلك؟
الحكومة ستكون مسؤولة عن التشريع التنظيمي للخصخصة وستكون مسؤولة عن تصريحات العمل للقطاع الخاص وستقوم بأدوار رقابية اشرافية تضمن في الأساس تدفق عائداتها المرجوة من برنامج التخصيص، بينما القطاع الخاص سيكون اهتمامه الرئيسي منصباً على زيادة عائداته وأرباحه وبدرجة ثانية على الوفاء بالشروط الرسمية في عملية التخصيص، من هنا نجد بأن صوت العاملين في مؤسسات القطاع الخاص والعام ضعيف وقد لا يجد من يرعاه بشكل مناسب أمام تضارب المصالح سواء الحكومية او الخاصة مع حقوق أولئك العاملين، والمستهلك كذلك قد يجد نفسه في النهاية أسير مصلحتين، حكومية وخاصة، تتفقان على جني أكبر من الأرباح التي تأتي على حسابه، وفي أحسن الأحوال قد يجد نفسه بين مطرقة جهة حكومية ذات آليات رقابية وتقييمية متواضعة وسندان قطاع خاص جل تركيزه تحقيق الأرباح الفاحشة التي لأجلها قد يحدث حتى التحاول على الرقابة الحكومية.. من هنا يتطلب الأمر وجود جهة ثالثة تضبط هذه العلاقة او تجيرها لما فيه صالح المستهلك وصالح العامل وصالح التطوير المهني، وكلاهما، أي المستهلك والمهني يهمهم بالدرجة الاساسية الحفاظ على مبدأ العدالة ومبادئ المهنة المعنية، هذه الجهة ستتمثل حتماً في الهيئات والجمعيات المستقلة عن القطاعين الحومي والخاص، وتحديداً الهيئات والتنظيمات الاهلية والمهنية.. للايضاح أشير الى ثلاثة أضلاع رئيسية يجب تواجدها بحيث يشكل التفاعل والعلاقة الرقابية التي تشكلها كل منها على الاخرى الضابط الديناميكي الذي يسهم في حماية الحقوق المهنية وحقوق المستهلك وحقوق المستثمر كذلك.
الضلع الأول: القطاع الحكومي ويتولى وضع النظم والتصريح والاشراف الاداري أو الفني على أعمال القطاع الخاص بشكل عام.
الضلع الثاني: القطاع الخاص ويتولى تقديم الخدمات والسلع سواء الخدماتية أو التجارية بمختلف أنواعها، وفق آلية ربحية بالدرجة الأساسية.
الضلع الثالث: قطاع المنظمات والهيئات الأهلية المهنية والاجتماعية والمدنية المختلفة، وهذا القطاع بجمعياته واتحاداته ونقاباته يشكل الحلقة التي تراقب حقوق العاملين في القطاع الأهلي بمؤسساته الخاصة وكذلك حقوق المستفيد النهائي من منتجات القطاع الخاص والحكومي كذلك، والأهم من ذلك تشكل الصوت الواعي المتمكن الذي يمثل العاملين في المهنة، أياً كانت المهنة.
محلياً يعتبر الضلع الثالث هو الغائب الأكبر رغم ضرورته لضبط العلاقة بين الأضلاع الأخرى وحفظ التوازن في العملية التنموية، التي لا نرجو لها أن تتحول إلى مجرد تجربة مادية خالية من عناصرها الانسانية وينقصها المرجعية المهنية العلمية المقنعة. بغياب الضلع الثالث يغيب الصوت المهني ودوره الفاعل الذي تمثله الجمعيات والاتحادات الأهلية المهنية والعمالية المتخصصة التي تساهم في تنظيم المهن وتشرف على تطور المهن وتحافظ على حقوق العاملين والمستفيدين في مختلف المهن والتخصصات.
لقد كان هناك تحفظ على وجود الجمعيات والاتحادات المهنية الأهلية ولكن يبدو أن هناك انفراجاً، وإن كان لا زال دون المأمول، بدأ يتشكل على الساحة يمثله صدور الموافقة على قيام جمعية حقوق الانسان الأهلية وجمعية الصحفيين. بعيداً عن هاتين الجمعيتين فالواقع والتطور التنموي والاجتماعي والإداري يفرض علينا التوسع في هذا الشأن، حيث الايجابيات المتوقعة تفوق السلبيات، وبالذات متى وضعت التنظيمات المناسبة..
نحن الآن بصدد سعودة كثير من المهن ولكن لا يوجد رابطة أو هيئة تحمي حقوق العاملين في هذه المهن وتنصفهم أمام أرباب العمل وأمام مشرعي النظم العمالية والمهنية المختلفة، بل وتحافظ على هيبة مهنهم ومثاليتها أمام المستهلك حين تضع معايير أخلاقية للعمل في المهنة يشترط الحفاظ عليها من قبل العاملين في هذه المهنة. والنتيجة هي أن الجميع يتحدث باسم السعودة والعاملين في المهن الخاضعة للسعودة باستثناء أصحاب المهن المعنية، فأصواتهم مغيبة ولا نكاد نسمع وجهة نظرهم المتخصصة بوضوح ولسنا نعلم إن كان المتحدثون بأسمائهم يمثلونهم فعلاً أم هم يتاجرون بقضاياهم المهنية…!
في مجال السعودة هناك ايجابيات عديدة تفوق السلبيات المحتملة في انشاء هيئات (بغض النظر عن مسمياتها) مهنية متخصصة في مختلف المهن، وأول تلك الايجابيات هو تقديم تلك الهيئات تصوراً واقعياً من قبل المتخصصين إلى الجهات المعنية بموضوع السعودة وامكانية تطويره في كل مجال وفق رؤية تحافظ على مصالح العاملين وعلى مستويات المهنة المتقدمة وبالتالي الحفاظ على حقوق المستهلك في النهاية، بل والمساندة الايجابية للقطاع الحكومي والتشريعي في ما يقر من تشريعات ونظم وتحديثات اشرافية ورقابية على أداء القطاع الخاص..
السؤال التالي هو من أين نبدأ؟
ربما يأتي من يدعي بوجود جمعيات في بعض التخصصات، وهنا لابد من ايضاح بعيداً عن المسميات، إلى كون الجمعيات القائمة هي جمعيات أكاديمية هشة التكوين متواضعة الاداء مهمشة الأدوار، وليست مهنية ولا تمثل صوت المهنة سوى في جمع رسوم العضوية وعقد الندوات السنوية الهادفة للإعلام أكثر منها لمناقشة مشاكل ومعوقات المهن والتخصصات التي تمثلها، ولكي تكون ذات فعالية كما أتصور أعلاه في التنمية المهنية والوظيفية وفي الحفاظ على الحقوق المختلفة للمنتمين إليها والعاملين في المهن المختلفة وللمستفيدين من المهن التي تقدمها، فإنها بحاجة إلى تغيير جذري في مرجعيتها ونظمها ولوائحها وصلاحياتها. تغيير يقود إلى أو يستبدل الجمعيات القائمة بجمعيات أو نقابات أو هيئات مهنية أهلية متمكنة يسندها نظم فعالة تقدر أدوارها المهنية والتقويمية والرقابية المتعددة التي يراها أصحاب المهنة والعاملين فيها وليست تلك التي يفرضها الإداري.
لقد أصبح واقعا لا ينكر تفشي البيروقراطية السلبية في الجهاز الحكومي وأصبح واقعاً لا ينكر فوضوية كثير من مؤسسات القطاع الخاص في تعاملها مع منسوبيها وأصبح واقعاً لا ينكر ضخامة العبء الملقى على الجهات الرقابية والاشرافية الحكومية في هذا الشأن وعدم قدرة كثير منها على الوفاء بكامل المهام المنوطة بها، وأصبح واقعا لا ينكر تدني مستويات الأداء في عدة مهن ومجالات، وبالتالي فإن دعوتنا إلى تكوين الجمعيات والاتحادات المهنية الفعالة يهدف إلى خدمة القضية التنموية والإدارية والاجتماعية والمهنية بصفة عامة، ويهدف إلى تشكيل دعامة للقطاعات الحكومية والخاصة والأهلية، للمواطن والمقيم المستهلك وموفر الخدمة ومؤديها بصفة عامة، وما تمثيلي بالخصخصة والسعودة سوى محاولة لتقريب وايضاح الصورة في ذهن المتلقي، مع أمنياتي بأن أكون وفقت في ذلك..
إجابة
كل ما عليك أن تشاهد قناة فضائية أو تقرأ صحيفة مع قهوة الصباح وستخرج بألف تحليل وتعليق لتصبح المهمة السهلة بعد ذلك اعادة الصياغة بلغة عاطفية لتصبح كاتبا يدعي بأنه موجوع بهموم أمته وعليم بما يخطط له المتربصون. أنا، والعياذ بالله من الأنا المتغطرسة، لا يهمني إعلان حضوري بالتعليق على الأحداث اليومية، ولا أريد أن تستوقفني عاطفتي للتنظير في كل الشؤون.. هناك مواضيع يومية سهلة التناول وربما أكثر بريقاً مما أطرحه في المجالات الصحية والتعليمية وغيرها من الشؤون المحلية، ولكن لدي الرغبة في التركيز على ما أعتقد بتمكني منه وقدرتي على تقديم المفيد فيه. القيمة في ما أطرحه هنا لا أراها تقاس (بدغدغة) مشاعر أكبر عدد من جمهور القراء وكأنني في ملعب ينتظر التصفيق والتشجيع من جميع أرجاء المدرجات، وإنما بقدرتي على تقديم أفكار واضحة ومحددة، قد لا تعني سوى القلة المتخصصة ولكنها في النهاية ذات فائدة وقيمة فعلية، أو هذا ما أسعى اليه..
إجابة مختصرة على من عاتب غياب قلمي عن الكتابة في أحداث الساعة السياسية والحربية وتساءل عن حصر كتاباتي في مواضيع محددة..