تدرس الجهات المعنية إصدار نظام التأمين ضد الأخطاء الطبية “الموضوع يناقش حالياً بلجنة الخبراء تمهيداً لرفعه لمقام مجلس الوزراء” والمقصود به إلزام الممارس الصحي بالاشتراك في نظام تأميني يتولى دفع التعويض نيابة عنه في حالة حدوث الخطأ الطبي لا سمح الله، وحتى نكون أكثر دقة فالنظام سيحمل مسمى أكثر قبولاً في مجتمعنا كالتكافلي أو التعاوني. التسمية هنا شكلية مثل ما حدث في نظام الضمان الصحي وبالتالي سأستخدم هنا مصطلح التأمين.
بعد الإشادة بهذه الخطوة والجهات التي سعت نحو إقرارها مثل الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ووزارة الصحة، أشير إلى انني لن أتطرق لتفاصيل النظام الذي أجهل تفاصيله، وإنما أطرح بشكل مختصر رأيي في بعض النقاط المتوقع أن تثير تبايناً لدى المتابع والمتخصص، وفي نفس الوقت أحث الآخرين على إثراء الحوار في هذا الموضوع بما قد يسهم إيجابيا في بلورته وكذا بلورة لائحته التنفيذية التي من المتوقع أن تصدر وتطبق خلال عامين من صدور النظام..
من الجهة التي ستتولى مسؤولية التأمين؟ هل هم الأفراد الأطباء أم مؤسساتهم الصحية؟
البعض يرى مسؤولية المؤسسة الصحية في تأمين الغطاء الصحي والآخر يراها مسؤولية الطبيب والبعض الثالث يقترح أن يترك ذلك للتفاهم بين الطبيب ومؤسسته الصحية. شخصياً أرى ان تكون الجهة الصحية هي المسؤولة الأولى أمام الجهات الرقابية في هذا الموضوع بحيث تحرص المؤسسة على عدم تشغيل الممارس الصحي قبل وجود الغطاء التأميني المناسب له، ولكن بشرط أن يكون هناك حد أعلى يسهم به الطبيب في التأمين، كأن يحق للمؤسسة الصحية إجبار أطبائها على المساهمة في الغطاء التأميني بحد أعلى لا يتجاوز نسبة معينة من القسط التأميني ” 30- 50% من قيمة القسط”، وتتولى المؤسسة الاسهام ببقية القسط، مع جواز ان تتولى المؤسسة الصحية دفع نسبة أكبر أو حتى كامل الأقساط عن منسوبيها. لدينا إشكالية محلية في علاقة الممارس الصحي بمؤسسته وبالذات في القطاع الحكومي وهي عدم اكتراث الممارس الصحي أحيانا بسمعة مؤسسته الصحية وفي نفس الوقت عدم اكتراث بعض المؤسسات بما يصيب منسوبيها من أضرار معنوية ومهنية. “هل سمع أحدكم بتكليف مؤسسة صحية لمحام بالدفاع عن أحد منسوبيها في إحدى القضايا الطبية؟” لذلك أرى أن المشاركة في تحمل قسط التأمين ستسهم في جعل كلا الطرفين يحرص على تجنب الخطأ الطبي، لأن لا أحد من الطرفين سيكون راغباً في ارتفاع القسط التأميني بسبب حدوث الأخطاء.
ما هي التخصصات التي سيشملها التأمين؟
يبدو أن هناك توجهاً نحو جعله إلزامياً على الأطباء فقط، وأرى في ذلك تكريساً لمفهوم خاطئ يحدث حالياً في محاكمة الأخطاء الطبية، حيث ان المحاسب الوحيد هو الطبيب بينما لا تتم محاسبة المؤسسة الصحية على سوء نظامها أو إدارتها أو تقصيرها في توفير بعض متطلبات العمل الطبي الاساسية ولا تتم محاسبة بقية أعضاء الفريق الطبي الذي قد يكون السبب الرئيسي في حدوث الخطأ الطبي. طبعا لا نطالب بتساوي القسط أو مبلغ التأمين بين الجميع حيث تختلف المسؤولية وكذا مستوى الدخل والكسب بين الطبيب وغير الطبيب، وإنما نحرص على ألا تجيّر جميع الأخطاء للطبيب ويترك المتسبب الحقيقي، إذا كان غير الطبيب، دون مساءلة ومحاسبة.
هل سيشمل التأمين المؤسسات الحكومية؟
من المتوقع، إن لم يكن من المؤكد ان تقف العوائق المالية ونظم وزارة المالية ضد تطبيق النظام على المستشفيات الحكومية بحجة عدم توفر البنوك المخصصة لذلك، ونحن نخشى أن تتكرر قضية الضمان الصحي حين لم تؤمن القطاعات الحكومية على موظفيها فتحول الموضوع إلى ثغرة بارزة في تطبيق النظام على جميع الأجانب. لذلك نطالب بأن يكون النظام واضحاً في مسألة إجبار الجميع على تطبيقه بغض النظر عن المرجعية، إن كانت حكومية أم خاصة، مدنية أم عسكرية… وعلى الجهات المالية أن تتفاعل في تطوير أنظمتها بما يخدم المصلحة العامة لا أن تجعلها نصوصاً محنطة تعيق التطوير المنشود في كثير من المجالات.