أواصل هنا ما بدأته في المقال السابق حول التمييز في معاملة أعضاء هيئة التدريس بين جامعة وأخرى وفي داخل الجامعة الواحدة أحياناً، مع التأكيد بأن الأمثلة ستزداد لو شمل الطرح ما يحدث في القطاعات الأخرى التي تعامل بعض منسوبيها وفق لائحة أعضاء هيئة التدريس الموحدة.
بعد تجاوز إحباطات التعيين وما يتصف به في بعض الجامعات من تعقيد ولا مبالاة من قبل مسؤوليها بمشاعر عضو هيئة التدريس المقدم على التعيين أو الترقية، ننتقل إلى حياة عضو هيئة التدريس فنجد التمييز واضحاً في إسكان أعضاء هيئة التدريس وبعض المميزات الجانبية التي يحصل عليها أعضاء هيئة التدريس، فجامعة نجدها لا تكتفي بتوفير السكن لأعضاء هيئة التدريس بها وإنما هي تدفع عنهم حتى فواتير الكهرباء وتوفر لهم ولذويهم وسائل المواصلات وتوفر لهم عيادة داخل الجامعة وتوفر لهم مدارس داخل الجامعة، بينما جامعة أخرى بجوارها لا توفر السكن لأعضائها وإن وفرته (أو وفرته لها جهة أخرى) فهي تلزمهم بالصيانة وتسديد جميع الفواتير وفوق ذلك تقوم بالخصم من مرتباتهم. بل إن جامعة بها مستشفى جامعي وست كليات طبية تستكثر حتى وضع عيادة خاصة بأعضاء هيئتها التدريسية وأسرهم، وتضطرهم لمراجعة العيادات الخاصة التي لا تبعد سوى أمتار عن مستشفى جامعتهم العريق، بينما جامعة مجاورة لها لا تحوي حتى كليات طبية توفر عيادة خاصة لأعضاء هيئة التدريس وذويهم داخل مقر أعضائها السكني.
في حضور المؤتمرات العلمية هناك جامعات تسمح بسهولة لأعضائها بحضور مؤتمرات وندوات خارجية بشكل شبه دوري وتصرف لها بدل انتداب مقابل ذلك وتذاكر سفر درجة أولى أو أفق، بينما هناك جامعات لا تصرف الانتداب وإن هي وافقت، بعد جهد جهيد، لعضو هيئة التدريس لحضور مؤتمر خارجي فإنها لا تمنح له أكثر من تذاكر سفر على الدرجة السياحية وربما لا تكررها له في العام التالي. فضلاً عن التعقيد الإداري في الحصول على تلك التذكرة حيث تشترط جامعة أن يقدم الطلب قبل تسعة أشهر بينما جامعات أخرى يُكتفى بتقديم الطلب قبل موعد المؤتمر بأسابيع قليلة.
بعض البدلات مثل بدل الحاسب الآلي هناك بعض الجامعات حصل عليها أعضاء هيئة التدريس بشكل كامل منذ فترات طويلة بينما بعض الجامعات قامت (بقصقصته وتقزيمه) وحصره على البعض حتى غدا وكأنه مكافأة خاصة من الإدارة للمقربين منها، وليس بدلاً حصل الجميع في جامعات أخرى عليه، باعتبار جميع أعضاء هيئة التدريس يستخدمون الحاسب الآلي كأبجدية أساسية في تعاملهم الأكاديمي. ومن المضحك أن إحدى الجامعات لا تكتفي بعدم إيصال خدمة الإنترنت إلى إسكان هيئتها التدريسية الذي يبعد فقط أمتار عن كلياتها، وإنما تقوم بإقفال (السيرفر) الخاص بها في المساء وأيام الإجازات، فهل هذه جامعة تدرك طبيعة عمل عضو هيئة التدريس، أم هي تراه موظفاً ينهي دوامه بتمام الساعة الثانية والنصف؟!
التمييز في معاملة أعضاء هيئة التدريس يمتد ليشمل حتى التعيينات بوزارة التعليم العالي فمناصب الوكلاء ومديري العموم والمستشارين بوزارة التعليم العالي أصبحت حكراً على جامعتين أو ثلاث وكأن وزارة التعليم العالي وهي الراعية لجميع الجامعات لا ترى في بقية الجامعات أعضاء مؤهلين لشغل تلك المناصب، التي لا نحسد أصحابها ولا ننكر كفاءتهم بقدر ما نشير إلى أن هناك اثنتي عشرة جامعة حكومية بالبلاد وحتماً يوجد بها أعضاء أكفاء يستحقون شغل بعض تلك المناصب..
نكتفي بذلك رغم أن القائمة في هذا المجال تطول، ونعتذر عن ذكر أسماء جامعات بعينها لأن الهدف ليس التشهير وإنما نقل رسالة إلى مقام وزارة التعليم العالي وكذلك مجلس التعليم العالي الموقر وغيرهما من الجهات المعنية، التي يجب أن تأخذ على عاتقها إنصاف جميع أعضاء هيئة التدريس بجميع الجامعات وفق نظرة عادلة بغض النظر عن الجامعة التي ينتمي إليها عضو هيئة التدريس، وإذا لم يكن ذلك ممكناً فليترك الأمر لكل جامعة لتطور لوائحها ونظمها وفق عملية تنافسية مفتوحة بين الجامعات، وليترك الأمر لأعضاء هيئة التدريس للانتقال من جامعة إلى أخرى وفق مصالحهم وما يقدم لهم من مميزات، فالأندية الرياضية تفعلها في زمن الاحتراف، ومن لا يكرم لاعبيه لا يستحق اللعب في دوري المحترفين…!