مقومات الحضارة

يحصر الباحثون المعنيون الحضارات الكبرى التي تم التعرف عليها خلال الستة آلاف عام الماضية في ما لا يزيد على خمس عشرة حضارة، والبعض يراها أقل من ذلك بكثير، ومصطلح الحضارة وتعريف الحضارات الكبرى مبحث مختلف عليه ويطول شرحه، ولكن هناك شبه اتفاق بان اهم مقومات بزوغ الحضارات وازدهارها يكمن في عنصرين رئيسيين.

العنصر الأول يمثل العقيدة أو الفكر الذي تستند اليه الحضارة أو فلسفتها الايدلوجية ويميزها عن غيرها من الحضارات. فللحضارة الرومانية فلسفتها الفكرية وللصهيونية فلسفتها وللاسلامية فلسفتها.. هذا ما يجعل تصنيف الحضارات يتجاوز تصنيف الدول رغم قوة بعض الدول العسكرية، فلا يقال الحضارة البريطانية أو الأمريكية وانما الرأسمالية أو الغربية بناء على الفلسفة التي تقوم عليها الحضارة وليس فقط بناء على القوة العسكرية فالدولة تتبع نشوء العقيدة وليس العكس بان تأتي الدولة ثم تضع عقيدتها التي تختارها.

العنصر الثاني يمثل الطاقة ومفهوم الطاقة هنا شامل يتجاوز المفهوم الضيق للطاقة إلى شمول الطاقة البشرية والانتاجية فالحضارة الكبرى لا تكتفي بامتلاك العقيدة المميزة لها وإنما تسندها بالسيطرة على أدوات الطاقة أو الانتاج، فالزراعة طاقة والصناعة طاقة والقوة العسكرية طاقة، والفحم طاقة والبترول أخيرا طاقة عالمية رئيسة. من يسيطر عليها يسيطر على العالم، نقول من يسيطر على أدوات انتاجها واستهلاكها وتسعيرها وليس من يملكها كمخزون نابض، لو تتبعنا الحضارة الرومانية لوجدنا أنها امتلكت العقيدة الفكرية الخاصة بها وامتلكت الطاقة بسيطرتها على الزراعة وسيطرة جيوشها على أغلب مناطق المعمورة ولكن تلك الحضارة بدأت في الوهن لعدة أسباب من أهمها انتشار الأمراض التي فتكت بكثير من مصادرها للطاقة والمتمثلة بشكل رئيسي في طاقتها البشرية التي ادت الوفيات بها الى تعطل غزواتها وتعطل مصادر الانتاج الزراعية بها بشكل كبير مهد وسهل لقيام عقائد فكرية – دينية جديدة قوضت العقائد الرومانية وبالتالي الحضارة الرومانية حتى وصل الأمر بالدولة الرومانية أن كلفت جيشها للقيام بأعمال الزراعة بسبب الضائقة التي مرت بها نتيجة الوفيات التي سببتها الامراض المميتة بها، طبعا الحضارات لا تسقط فجأة ولكنها تتشبث بالبقاء حتى النهاية وتبقى فلولها وعقائدها متداخلة في أحيان كثيرة مع الحضارات التي تليها (استخدم العقائد بالمصطلح الفكري الشامل، رغم تفاصيل المصطلح لدى المتخصصين).

أضف تعليق