يعتبر معالي الدكتور غازي القصيبي من أكثر الوزراء تنقلاً بين الوزارات وبالذات تلك الناشئة منها، وفي كل مرة نجده مصدر تفاؤل عطفاً على تجاربه وعلى مايحظى به من حضور أو( كريزما) ثقافية مميزة، و تعيين معاليه وزيراً للوزارة الجديدة، وزارة العمل، يغرينا حتماً بالحديث حول تجاربه كمدخل للحديث عن الوزارة الجديدة..
أعتقد أن أكبر نجاح إداري، على الصعيد الوزاري وليس الدبلوماسي، حققه غازي القصيبي (مع التقدير للألقاب) كان في وزارة الصناعة والكهرباء وهي الوزارة الأولى التي تولاها، أما ما بعد ذلك فهو مجرد طفرات مؤقتة، ساعدت بعض الظروف وكذلك مواهب القصيبي الثقافية في بروزها، مع التأكيد بأن عامل الوقت كان السبب الرئيسي في عدم تبلور النجاح أو عدم النجاح بشكل واضح في التجربة، ففترة عام أو عامين في وزارة جديدة أو وزارة بحاجة إلى إعادة تأهيل كامل ليست كافية أبداً لبلورة رؤية عملية واضحة.
في وزارة الصحة بدأ القصيبي بفلسفة حديثة تتمثل في المريض أولاً وقد نجح في كسب عطف الناس والمجتمع بناء على تلك الفلسفة، وبالتالي فهو ناجح في قيادة الصحة من المنظور الجماهيري، لكن الدارس للنظام الصحي أو الهيكل الإداري الصحي على المستوى الوطني يجد بأن حجم الإنجاز التنظيمي الإستراتيجي لايتوافق مع حجم الإنجاز الدعائي. طبعاً أي حكم نهائي هنا يعتبر غير موضوعي لأن معاليه لم يعط الوقت الكافي لبلورة أية رؤية استراتيجية تنظيمية لوزارة الصحة..
في وزارة المياه والكهرباء، كان الوضع أكثر إيجابية بالنسبة لمعالي الوزير القصيبي، مقارنة بوضعه في وزارة الصحة، سواء من الناحية التنظيمية المتمثلة في استقلالية مؤسسات الكهرباء والمياه المالحة أو من الناحية الاجتماعية حيث الكهرباء والمياه ليست خدمة تتبدل وتمس حياة الناس العاديين بشكل مباشر مثل الصحة. أستطيع القول بأن وزارة المياه والكهرباء أعطيت وهجاً بوجود غازي القصيبي لكن القصيبي لم يعط الوقت لتجاوز مرحلة الصفر في تنظيم الوزارة الجديدة، وبالتالي فقد نجا من مقصلة النقد تجاه تجربته في وزارة المياه والكهرباء…
الأن أوكل لمعالي الدكتور غازي القصيبي وزارة العمل، وبالتالي فالسؤال يأتي حول الأولويات التي سيتفرغ لها معاليه، هل سينشغل بدغدغة مشاعر الجماهير أم سينطلق مباشرة نحو وضع استراتيجيات قابلة للتطبيق والاستمرارية على المدى الطويل؟ هل سيغرق معاليه في القضايا التنفيذية المتعلقة بالتكوين الإداري للوزارة الجديدة، أم سيوكل مهمتها للمساعدين لينطلق نحو المستقبل؟
يعتبر الكثيرون بأن مهمة معالي وزير العمل الجديد شاقة وكبيرة، وأتفق معهم بالنظرإلى القضية المطروحة ومساسها الجوهري بالاستقرار الإداري والاقتصادي والاجتماعي ببلادنا، وبالنظر كذلك في كونها قضية معقدة ومتشابكة، لايمكن حلها عن طريق جهاز إداري واحد كوزارة العمل، مهما أوتيت من قوة، وإنما عن طريق تضافر مختلف الجهود الحكومية والأهلية… لكن من الناحية العملية يجب أن نشير إلى ثلاث نقاط إيجابية يفترض أن تساهم في إنجاح المهمة الجديدة لوزارة العمل..
1من الناحية التنظيمية، الوزارة الجديدة إلى حد ما مكتملة الهياكل والتنظيم، بفضل التنظيم الإداري لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية (سابقاً)، الذي كان واضعاً مثل هذا الانفصال المحتمل نصب عينيه هنا يجب الإشادة بدور معالي وزير الشؤون الاجتماعية (وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق) في هذا السياق…
2من الناحية النظرية أو التنظيرية حظي موضوع البطالة والعمل بالعديد من الدراسات والتنظيرات، مما يعني بأنه ليس المطلوب من الوزير الجديد الانطلاق من نقطة الصفر بقدر ما يطلب منه الالتفات إلى هذا الكم الهائل من الدراسات والتنظير لبلورة المفيد منه إلى خطة عمل إيجابية..
3من الناحية الاجتماعية أعتقد بان القضية العمالية أصبحت قضية وطنية وبالتالي فالرأي العام مهيأ لتقبل أية خطوات عملية تسهم في حل معضلاتها المختلفة.
أملنا في قدرة معالي الوزير القصيبي، بما يملكه من خبرات وتجارب على تجاوز العقبات والاستفادة من الإيجابيات لما فيه مصلحة الوطن في حاضره ومستقبله.