هناك توجه نحو دعم مؤسسات المجتمع المدني المختلفة وأبرز تلك المؤسسات، بغض النظر عن مستوى نضجها، تتمثل في الجمعيات العلمية التي أسست عن طريق الجامعات والجمعيات التعاونية والخيرية التي صرح لها من لدن وزارة الشؤون الاجتماعية. أحد أبرز شروط نجاح مؤسسات المجتمع المدني هو استقلاليتها وإدارتها عن طريق أعضائها، وقد استبشرنا خيراً ببعض الخطوات التي أعلن عنها في هذا الشأن، مثل تبني إقامة ورشة عمل حول مستقبل الجمعيات العلمية وتشكيل مجلس أعلى للجمعيات التعاونية، لكن تلك المبادرات فرغت من محتواها وبدت وكأنها تكريس لمفهوم أخر.
لنبدأ بالجمعيات العلمية وقد عقد لها ورشة عمل توقعت أنها ستكون حافلة بالأوراق العلمية التي درست واقع ومستقبل تلك الجمعيات، ودرست مدى تأثيرها الاجتماعي والمهني والعلمي على مدى عقود، وأجرت استطلاعات تبين رأي الأعضاء والمستفيدين من خدماتها، إلخ. بنيت توقعي ذلك عطفاً على أنها تقام بجامعة وبإشراف وزارة معنية بالتعليم العالي وأحد ركائزه البحث العلمي. لم نجد ذلك ولكن حضر رؤساء الجمعيات العلمية أو بعضهم للتصويت على تعديلات مقترحة على مواد لائحة الجمعيات العلمية (تعديلات لفضية في الغالب) وخرجنا بتوصية تطالب ببقاء إحتكار رئاسة الجمعيات العلمية من لدن الجامعات. طبعاً لم يكن ذلك مستغرباً بحكم أن من صوت هم أعضاء الجامعة والمستفيدين من اللائحة التي تمنحهم رئاسة تلك الجمعيات بشكل تلقائي، دون إعتبار لرغبات الجمعيات العمومية للجمعيات. بل أن الحضور لم يمثلوا جميع الجمعيات والجامعات والهيئات ذات العلاقة بإنشاء الجمعيات وبالتالي نخشى أن تأتي القرارات منحازة.
بالنسبة للجمعيات التعاونية فقد رؤي أن وجود مجلس تنسيقي أعلى يضمها سيسهم في التعاون والتكامل وتنسيق الجهود، وقد اجتمع رؤساؤها لذلك الغرض. وكنا نتوقع أن يتم انتخاب المجلس من رؤساء تلك الجمعيات ليكون مجلساً يمثل صوت الجمعيات ويدافع عن حقوقها ومصالحها، فإذا بوكلاء الوزارات يصبحون أعضاء في ذلك المجلس، بقيادة وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية التي لا أعلم كيف سيفصل بين موقعه الوظيفي كمشرع ومراقب على تلك الجمعيات وبين موقعه الجديد (المفترض) كمدافع وممثل لتلك الجمعيات. طبعاً، وكما يرى بعض منسوبي الجامعات بأن احتكار رئاسة الجمعية العلمية من قبل الجامعة سيخدم الجمعية ويسهل أمورها الإدارية، يرى مهندسو مجلس الجمعيات التعاونية بأن وجود أصحاب السعادة الوكلاء في المجلس سيسهل كثيراً من أمور الجمعيات التعاونية.
بعد هذه الفرص التي تتاح لمسؤولي الجمعيات للتعبير عن رؤيتهم تجاه جمعياتهم، لا أتصور بأن الرغبة في السيطرة على مفاصل الجمعيات العلمية والتعاونية أتى وفق ترتيب مسبق، وإنما هو محدودية الوعي العام بمفهوم مؤسسات المجتمع المدني وضرورة استقلاليتها عن المؤسسة الحكومية المرجعية لها من الناحية القانونية.