الخدمة الصحية: هل أصبحت إعلاميه؟

قبل عدة سنوات أعلن أحد المستشفيات الكبرى عن فتح عظيم في علاج أمراض القلب بإجراء عمليات هي الأولى في الشرق الأوسط والأقصى والأدنى معاً، ولأجل ذلك الإنجاز استقدم فريقاً طبياً أرجنتينياً وابتعث بعض المتخصصين للتدرب على بعض التقنيات. إلخ وفي النهاية وبعد عدة سنوات وبعد صرف عدة ملايين من الريالات انتهى عقد الطبيب المتخصص في الموضوع ولم ينجز أكثر من عشر عمليات نسبة النجاح فيها كانت متواضعة جداً.. نفس المستشفى استقدم طبيباً كندياً قيل انه سيقوم خلال أشهر قليلة بتطوير مفصل صناعي للركبة يتناسب مع سكان المملكة بحيث يسمح بجلوس المرضى على الأرض بعد إستبدال المفصل وبعد أربع سنوات وبعد تحقيق رغبة ذلك الجهبذ الاستشاري ذي الشعر الأشقر في التعاقد مع طاقم بحثي وفي تأسيس معامل كلفت مئات الألوف من الريالات اكتشفت إدارة المستشفى بأنه لم يبعها سوى الكلام، فألغت عقده وكدست معامله بالمستودعات.. مستشفى آخر يعمل به أحد أشهر أطباء القلب الكنديين والعالم، يقبض مبالغ خيالية وفي النهاية جل ما يقوم به ذلك الطبيب هو قراءة رسم نبضات القلب وإجراء الأبحاث الخاصة على حسابنا.. تلك وغيرها من الحكايات المشابهة تتكرر في مستشفياتنا الكبرى مثل التخصصي والحرس، وهي المستشفيات التي نراها تسير وفق مبدأ التنافس الدعائي الصحي فيما بينها على حساب الاحتياج الوطني وعلى حساب الواقع الاقتصادي والصحي الذي نعيشه.. فهذا مستشفى يتفاخر بالقلب الصناعي وذاك يتفاخر بالكبد الصناعية وذاك يتفاخر بزراعة البنكرياس والمؤسف أن يتم ذلك على المكشوف في ظل شكوى كثير من المواطنين من عدم توفر حبة (البنادول)، وإلا فما معنى أن توجد عدة مراكز كبد وقلب وسرطان بمدينة واحدة، بينما هي نفس المدينة العاصمةيسافر بعض سكانها إلى التشيك للعلاج بالطين وإلى الهند للعلاج بالأعشاب وإلى سوريا لعلاج الأسنان والى ألمانيا لعلاج آلام المفاصل، وهي نفس العاصمة التي يعجز بعض مستشفياتها عن توفير ثلاجة لموتاها؟

مستشفياتنا الكبيرة أصبحت كمحلات الموضة النسائية التي تعلن عن أحدث موضاتها بنفس الصفحة ونفس الجريدة، وإلا فما معنى أن يتبارى مستشفيان بمدينة واحدة في إعلان زراعة البنكرياس وفي زراعة القلب الصناعي في نفس الأسبوع وفي نفس الجريدة بينما غالبية العالم لايتبنى تلك العمليات لأن تكاليفها ومصداقية نجاحها لاترتقي بعد لأن تجعلها خدمات صحية عامة يمكن تقديمها بعيداً عن مراكز البحث والتجارب.

الغريب أن المأساة ليست فقط في ازدواجية الخدمات وهدرها بالتركيز على إنجازات إعلاميه دعائية يتنافس فيها نفر قليل حولوا الهدف الأسمى الذي من أجله انشئت المراكز الصحية المتقدمه، ألا وهو خدمة المرضى على المستوى الوطني، إلى هدف وحيد يتمثل في إرضاء الغرور الشخصي بالتلميع الذاتي والدعائي للقائمين على تلك المؤسسات الصحية. المأساه تكمن في أن التنافس على استقدام كفاءات متميزه عالمياً جعلنا مسخرين لخدمة تلك الكفاءات بصورة (ممجوجة) ومبالغ فيها حيث يأتي الاستشاري فيشترط إنشاء معامل مكلفة لايجدها في بلده ويشترط اصطحاب أو استقدام طاقم بحثي وطبي يسهم معه في الإنجاز ومع الوقت يجد الإداري السعودي المغرم بالدعاية والإنجاز بنفسه في مأزق إداري فهو إما ان يواصل دعم الطبيب أو العالم (الذي يتحول إلى مبتز مع الوقت) حتى لايقال عنه انه فشل أو يلغى عقده ومعه ينتهي البرنامج أو المشروع الذي صرف عليه أموال طائلة أو يتم تشغيله كيفما اتفق لأجل الاستمرارية الشكلية.

النجاح ليس بحاجة إلى دعاية والتوسع الأفقي الدائم في المنشآت والمراكز ليس سوى غطاء سطحي يبرر التخبط ويغذي الرغبة في البروز وصعود المنابر.

سؤال حتمي

تقدر ميزانية القطاع الصحي في المملكة بـ 13مليار، 45% فقط تذهب لوزارة الصحة و19% للقطاع الخاص بينما الباقي ويقدر بـ36% يذهب للقطاعات الحكومية الأخرى (التخصصي، الحرس الوطني، الدفاع وغيرها..) هذا يفترض أن تقدم وزارة الصحة 45% فقط من الخدمات الصحية بالمملكة، بينما القطاعات الصحية الحكومية الأخرى تقدم 36% من الخدمات الصحية بالمملكة، فهل يحدث هذا فعلاً؟ أم أن الفرق هو لزوم الدعاية والتلميع؟

أضف تعليق