الملحقيات الثقافية والحاجة إلى إعادة نظر

قامت وزارة التعليم العالي، بالتنسيق مع الجهات الأخرى ذات العلاقة، بإنشاء ما يُعرف بالملحقيات الثقافية في الدول التي يوجد بها كثافة معقولة من الطلاب السعوديين الداريين ببعض الدول. تلك الملحقيات تتبع من الناحية الإدارية الوظيفية وزارة التعليم العالي ولكنها من الناحية الدبلوماسية والتمثيل خارج المملكة تمثل جزءاً من البعثة الدبلوماسية. من ناحية الأدوار فالدور الرئيسي الواضح لتلك الملحقيات يكمن في متابعتها لأمور الطلاب المتبعثين من قبل الجهات الحكومية المختلفة، كهمزة وصل تربط بينهم وبين مرجعياتهم الإدارية المختلفة بالمملكة من ناحية تمثيل المرجع الحكومي في الأمور المالية والإدارية المختلفة، وأضيف إلى ذلك أدواراً أخرى تتعلق بالتمثيل الثقافي وبالتنسيق بين الجهات الأجنبية بمقر الملحقية والجهات المحلية بالمملكة في ما له علاقة بالتخصصات العلمية والبحثية، بالذات.

تلك صورة مبسطة عن الملحقيات الثقافية، وأولى الملاحظات التي تلفت الانتباه هي في المسمى: هل هي ملحقيات تعليمية أم ملحقيات ثقافية؟ وهل المسمى موحد في جميع البلدان أم هي ثقافية في بعض الدول وتعليمية في البعض الآخر؟ القول بأنها ملحقيات تعليمية تعنى بشؤون الطلاب المبتعثين وما يتعلق بالابتعاث والتدريب أمر مقبول ويحكي ما تقوم به من أدوار، ولكن القول بأنها ملحقيات ثقافية أمر فيه نظر، لأننا لا نرى لها أدواراً ثقافية تستحق هذه الصفة، أو على الأقل لا تستحقها معظم الملحقيات، فمن خلال سنوات عديدة قضيتها بدول شمال أمريكا لم ألحظ أي دور ثقافي يستحق الذكر لملحقيات واشنطن وأوتاوا، وما تقدمه من استصدار اشتراك مجاني في الصحف السعودية للطلاب المقيمين بتلك الدول أو ما تقدمه من خلال نشرة المبتعث، التي تسمى تجاوزاً مجلة، لا يمكن تسميته عملاً ثقافياً يسهم في تواصلنا مع الآخر بالدول التي توجد بها تلك الملحقيات، بل إنه حتى في أصعب الأزمات التي مرت وتمر بعلاقتنا مع الغرب في أعقاب أحداث سبتمبر لم ألحظ أية محاضرة أو لقاء إعلامي أو ثقافي تقدمه تلك الملحقيات بوسائل الإعلام الأمريكية والكندية وبالجامعات الأمريكية والكندية، رغم أن الجامعات بالذات وهي التي يفترض أن تتولد بينها وبين الملحقيات علاقة جيدة كانت ولازالت ترحب بأية مبادرات في هذا الشأن. ربما لأن ملحقياتنا الثقافية/التعليمية لا ترى نفسها في أكثر من تنظيم صرف الرواتب والمكافآت للطلاب واستقبال وتوديع الوفود الأكاديمية وشبه الأكاديمية التي تتقاطر من وإلى السعودية إلى تلك الدول بهدف وغير هدف. بل إن الملحقيات التعليمية أو الثقافية أسهمت في تقليص تواصل المبتعث السعودي ثقافياً واجتماعياً مع مجتمعه المحيط به وذلك بتبني ودعم الأندية الطلابية السعودية بطريقة تسهم في انكفاء أو اقتصار تواصل كثير من المبتعثين السعوديين وعوائلهم على أقرانهم السعوديين فقط، وعدم أو تقليص التواصل مع الآخرين سواء كان أولئك الآخرون من مواطني الدولة التي يدرس بها المبتعث أو من أبناء الدول الأخرى المبتعثين والمقيمين بتلك الدول.

الإشكالية الثانية تكمن في العلاقة بين الملحقية والسفارة أو القنصلية في نفس البلد فبالرغم من وضوح المهام والمرجعيات من الناحية الإدارية والوظيفية إلا أن هناك تقاطعات في العمل بينهما وهناك أمور مشتركة يتطلب إنجازها بشكل سليم تعاون السفارة والملحقية معاً. هذه العلاقة تعتمد على القنصل والملحق الثقافي وتفهم كل منهما لأدوار الآخر، وبالتالي هي تختلف من بلد إلى آخر، ولكن الحقيقة التي يجب عدم إنكارها هي أنها علاقة تمر بشد وجذب في بعض الدول وأحياناً يتحول ذلك الأمر إلى تنافس وتهرب أو إلقاء اللوم من كل طرف على الآخر في بعض التقصيرات التي تحدث سواء في العمل على رعاية المواطنين بمن فيهم الطلاب بتلك الدول أو في العمل على تفعيل التواصل الثقافي مع الآخر.

(يتبع)

أضف تعليق