البعد الزمني في قرارات التنمية

في العمل التنموي هناك معوقات وصعوبات متوقعة، بعضها يمكن التغلب عليه مع الوقت وبعضها يصبح صفة دائمة لا ندري كيف السبيل لتجاوزها. فالمتتبع لمسيرة التنمية لدينا يجد أن هناك صفات سلبية أصبحت ملازمة للعمل الإداري والتنفيذي لدينا، صفات لم تعد خافية ولا بد لها من معالجة جادة، لأنها لم تعد مجرد صفات عابرة، بل أصبحت معوقات تقود إلى خسائر اقتصادية واجتماعية لا تحصى. أبرز هذه الصفات التي تجعل قراراتنا وإنجازاتنا بلا طعم في كثير من الحالات هي بطء اتخاذ القرار وبطء أو عدم جدية تنفيذ القرار بعد إتخاذه.

بالنسبة لبطء القرار فيلحظ التأخر في اتخاذ القرارات الحاسمة وفي كل تأخير تزداد الصعوبات حتى تتحول إلى صفات ملازمة يصعب تجاوزها، حيث هناك قرارات أصبحت بديهيات من كثرة إعادة طرحها ودراستها واتفاق الغالبية عليها ورغم ذلك لا يتخذ فيها القرار الحاسم. نستطيع هنا أن نشير إلى كثير من الأمور التي أدى تأخر حسمها إلى وجود صعوبات تنموية بعضها له علاقة مباشرة على حياة الناس، فالإحصائيات الرسمية وغير الرسمية على سبيل المثال تشير إلى نقص بعض الخدمات الرئيسية مقابل الزيادات السكانية وتشير إلى تزايد البطالة عاماً بعد عام، ورغم ذلك تأخرنا في المبادرة وتوفير تلك الخدمات والفرص الوظيفية حتى تحول الوضع إلى أزمات متعددة في مجال تقديم الخدمات الرئيسية كالتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق وغيرها. التأخير ليس فقط في تقديم الخدمة ولكن حتى في إصدار التشريعات المناسبة للتطور الذي نعيشه، فأمام التوجهات العالمية نحو تخصيص كثير من القطاعات وأمام عدم قدرة القطاع العام على توفير كثير من الخدمات لازلنا نتردد في تشريعات وقرارات التخصيص وفي كل تأخير يزداد الضغط على القطاع الرسمي ويزداد ترهل القطاع الحكومي كما انه تزداد الفوضى في القطاع الخاص لتأخرنا في إصدار التشريعات الملائمة التي تحكم ذلك القطاع وعلاقته بالقطاع الحكومي.

أما في حالة اتخاذ القرار فيلحظ ضعف متابعة القرار أو بعض القرارات الرئيسية، حيث نجد أنه تمضي اشهر وسنوات حتى يتم تنفيذ القرار، وذلك بعد أن يكون القرار أو النظام فقد الروح الدافعة لإصداره وفقد الزخم الإداري والثقة التي يحملها المنفذ والمستفيد تجاهه. هناك قرارات صريحة بمحاربة الفساد والرقابة ولكنها لا تطبق بشكل صارم وهناك مشاريع أنظمة كثيرة صدرت ولم تنفذ بشكل فعلي متكامل على أرض الواقع فنظام المحاماة والمحاكم المتخصصة يراوح مكانه منذ سنوات ونظام المعوقين يراوح مكانه ونظام التأمين الصحي يراوح مكانه.. وغيرها من القرارات والتوجيهات والأنظمة.

أكتب هذا المقال وانا على متن الطائرة المتجهة إلى مطار الملك فهد بالدمام فيحضرني روعة وكبر هذا المطار وكيف أن ترددنا وبطئنا جعله مطاراً غير منتج اقتصادياً، كما كان مخططاً له. حينما بدئ في تنفيذ هذا المطار كان المفترض ان يكون بوابة المنطقة ونقطة عبور إلى الشرق وليس المملكة فحسب، ولكن بينما نحن نؤخر ونؤجل ونتردد سبقتنا دول الجوار بتطوير مطاراتها ونظمها الاقتصادية ذات العلاقة فحازت بالجزء الأكبر من كعكة المنافسة في هذا المجال، بينما نحن أصبحنا نجاهد ليس لمنافسة الآخرين وإنما للحفاظ على هذه المنشأة العملاقة، مطار الملك فهد، من عوامل التعرية التي ستصيب منشآته.

نحن نسير ببطء وهذا لا يتناسب مع معطيات العصر وأدى ويؤدي إلى أن يسبقنا الآخرون ليس لأنهم الأغنى أو الأكفأ، ولكن لأنهم تعاملوا مع عجلة الزمن بفاعلية ولم يتوهوا مثلنا في دوائر البيروقراطية وعدم الحسم المناسب في الوقت المناسب. العالم يتقارب وينافسنا ولابد من إدراك البعد الزمني والمسارعة بالفعل والمبادرة وإلا سنجد أنفسنا في المؤخرة وسنجدنا نكافح في أمور تجاوزها الآخرون بمسافات.

أضف تعليق