القطاع الصحي والاستفادة من تجارب التعليم

اتجهت وزارة المعارف (التربية والتعليم حالياً) في فترة الطفرة إلى تبني فلسفة مفادها ضرورة سعودة الكوادر التعليمية بأسرع وقت ممكن، ولأجل هذه الغاية النبيلة تم التضحية بكثير من المعايير التعليمية وأصبح الهم الرئيسي هو تخريج أكبر عدد ممكن من المعلمين السعوديين، محلياً مما دعاها (أي وزارة المعارف) إلى تبني إنشاء كليات ومعاهد معلمين في كل منطقة تقريباً عدا التوسع الملحوظ في كليات التربية بالجامعات.. فماذا حدث خلال 30سنة؟ تشبع القطاع التعليمي المحلي بمخرجات متواضعة نوعياً، وتصدى للمهام التربوية والتعليمية معلمون متواضعو التأهيل العلمي والتربوي. إدارياً، أدركت وزارة التربية والتعليم متأخرة بأن كليات المعلمين والمعلمات عبء إداري عليها فباتت تسعى لنقل هذا العبء إلى جهة الاختصاص المعنية بالتعليم ما فوق الثانوي، ألا وهي وزارة التعليم العالي..

ما علاقة ما ذكر أعلاه بالقطاع الصحي؟

ما يحدث حالياً في القطاع الصحي هو نسخة أكثر سوءاً مما حدث في القطاع التعليمي، وسنرى ذلك السوء في قادم الأيام، إن لم نكن فعلاً بدأنا نلحظه، اقول اكثر سوءاً لانه يأتي بالنسبة للقطاع الصحي بمشاركة ليس فقط من القطاعات الصحية الخدماتية ولكن بمشاركة القطاع الخاص الذي تتحكم في كثير من توجهاته الربحية المادية على حساب المعايير النوعية.. لايمكن الجدال على حاجاتنا لشغل كثير من الوظائف الصحية بكفاءات وطنية، لكن مايحدث هو شغل الوظائف الصحية بكفاءات وطنية ذات مستويات ونوعيات متدنية في جانبها النوعي، مايحدث هو تحول التعليم الصحي والطبي ببلادنا إلى فوضى تحدث بمرأى ومسمع ومباركة من القطاعات الصحية التي خلطت الأوراق بين مهامها الخدماتية والأكاديمية، وفي ظل سلبية واضحة من قبل وزارة التعليم العالي، التي ترى أن هذا التوجه ينقذها من النقد الاجتماعي الذي يطالبها بمزيد من التوسع في مجال التعليم العالي، وترى أن الحل الأمثل هو اتباع الحكمة (لا أرى.. لا اسمع.. لا أتكلم).

في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وغيرها من الدول المتقدمة قل أن تجد كلية طب تتبع مستشفى خاصا أو اهليا أو تتبع وزارة الصحة، وإن حدث ذلك فإنه يحدث في حدود ضيقة وتحت إشراف أكاديمي من جهات أكاديمية معترف بها، بل ان حتى الجامعات الخاصة بتلك الدول لاتتبنى تقديم التعليم الطبي سوى في حدود ضيقة جداً، بينما مستشفياتنا الحكومية والخاصة تتسابق نحو إنشاء كليات صحية وطبية، دون رقابة أكاديمية من جهات أكاديمية معترف بها ودون معايير أكاديمية موثوق بها، وكأن الأمر اصبح مجرد تنافس شخصي أو جشع تجاري دعائي الكل يريد أن يستفيد منه، في ظل الغياب التام للجهة المعنية بتنظيم التعليم العالي، وزارة التعليم العالي.

لأ أفهم أحياناً لماذا تريد بعض المستشفيات والقطاعات زيادة أعبائها الادارية والمالية بإنشاء كليات طبية؟ أيهما أولى صرف المبالغ نحو إنشاء كليات طب بكل مستشفى أم صرفها نحو تحسين الخدمات الصحية وتطويرها؟ لماذا يشعر الإداري الصحي بالرغبة في التوسع في خدمات هي ليست من صلب رسالته الرئيسية المتمثلة في توفير الخدمة الصحية؟ هل يشعر الإداري في القطاع الصحي العام أو الخاص بالدونية العلمية فيبحث عن تعويض بإنشاء كيان أكاديمي يتبعه؟ هل يوجد كفاءات فائضة عن الحاجة بالقطاعات الصحية التي تتبنى التعليم الطبي والصحي تريد إشغالها بالهم الأكاديمي؟

اذا كانت المستشفيات تتوفر على إمكانات تدريبية وعلمية متميزة، فلماذا لاتستفيد منها كليات الطب والعلوم الطبية القائمة؟ لماذا لاتتوسع الكليات القائمة في القبول والتدريب بتلك المستشفيات؟ اين الخلل هل هو في وزارة التعليم العالي؟ في الجامعات؟ في وزارة الصحة؟ في القطاعات الصحية الحكومية الأخرى، في القطاع الصحي الخاص؟

من ينقذ قطاع التعليم العالي الصحي من تسرع القطاعات الصحية وتجاهل القطاعات التعليمية؟

أضف تعليق