كليات المستشفيات: مرة أخرى

كتبتُ قبل أكثر من عام تقريباً وجهة نظر حول إنشاء كليات طب بالمستشفيات المختلفة.. لم تكن وجهة نظري تلك مقنعة بالنسبة لبعض الجهات مثل مدينة الملك عبدالعزيز الطبيه بالحرس الوطني التي كان إعلان إنشاء كلية طب بها فاتحأ لشهية مؤسسات صحية أخرى حكومية وغير حكومية لإعلان النية عن إنشاء كليات صحية وطبية تابعة لها، ولايمكن من الناحية المنطقية منعها طالما سمح لجهة مابذلك، أعدت الكتابة الأسبوع الماضي في نفس الموضوع، وعلى ضوئه اتت ملاحظات تحمل وجهة نظر أخرى ملخطها الأتي:

“أنني حكمت مسبقاً على فشل كليات الطب التابعة للمستشفيات، بينما الحقيقة أن مستويات بعض كليات الطب التابعة للجامعات في الوقت الراهن متواضعة المخرجات كماً ونوعاً، وأحد الدوافع غير المعلنة من قبل المستشفيات المتجهة نحو تبني إنشاء كليات طبي هي عدم قناعتها بمخرجات الكليات القائمة، وإحساسها بقدرتها على تخريج كفاءات أكثر تأهيلاً ومستوى..”

حسناً، نحن لايوجد لدينا جهة تقييم أكاديمي وصحي محايدة، لكن بفرضية التسليم بالمقولة تلك أحمّل الجهات التي تتسابق إلى إنشاء كليات طبيه وصحية جزءاً من المسؤولية في ذلك، لأنها لم تمتلك الشجاعة على مواجهة إدارات الجامعات ووزارة التعليم العالي بحقيقة تراجع المستويات، ولأنها أصبحت تتعامل مع كليات الطب بفوقية يعرفها كل من عمل في هذا المجال، فمستشفيات مثل التخصصي والحرس الوطني والعسكري لاترحب بتدريب طلاب كلية الطب بجامعة الملك سعود للتدريب بها أثناء مراحل الدراسة، ولأنها أيضا أسهمت في تفريغ كليات الطب والمستشفيات من أطباءها المتميزين بتقديم العروض المغرية لهم بالعمل بها دون أن تقدم بدائل أو على الأقل تبقيهم على اتصال بالجانب التدريبي والتدريسي بكلية الطب.. طبعاً هناك أسباب أخرى تخص كليات الطب مثل ضعف أو فوضوية نظام عمل الأطباء أعضاء هيئة التدريس بالقطاع الخاص ومثل تواضع نظام المستشفيات الجامعية ومثل ضعف موارد الكليات الطبية.. من المسؤول: هل هي كليات الطب أم المستشفيات المختلفة عن ضعف التعاون؟ هذه القضية التي يجب مناقشتها وإيجاد الحلول المناسبة لها، لتطوير مستويات كليات الطب القائمة نوعياً وكميا وليس زيادة التضييق والخناق على كليات الطب القائمة بحصر مستشفياتها التدريبية في الجامعية وكذلك منافستها عبر احتكار مؤسسات صحية كان يفترض أن تكون مقرات تدريب لها..

أنا لا أحكم على المخرجات من فراغ وإنما بناء على المدخلات وعلى طرق الإعداد والتجهيز لتلك الكليات، فالتصور لها يرتكز على فكرة وجود المنشآت أو القدرة على إنشاء مقرات ووجود أطباء، وفي ذلك (تسطيح) خطير للعملية التعليمية الطبية..

لنذكر أحد مظاهر التخبط في الكلية الطبية الأولى التابعة لجهة صحية خدماتية، كلية طب الحرس الوطني، وطريقة القبول بها، حيث أعلن عن قبول خريجي كليات الصيدلة والعلوم الطبية بتلك الكلية وفق شروط منها التخرج بتقديرات عالية وقضاء فترة تدريب الامتياز.. ترى كم كلية صيدلة لدينا؟ واحدة فقط، وعلوم طبية؟ اثنتان فقط.. يعني نحن بحاجة إلى تخصصات الصيدلة والعلوم الطبية كما نحن بحاجة إلى الطب، وربما أكثر فلمَ تتجه كلية الطب بالحرس الوطني نحو تحويل المتخصصين المتميزين في تلك المجالات إلى أطباء؟ هل الهدف من إنشائها هوتنمية الموارد البشرية الطبية والصحية والصيدلية أم تنمية أعداد الأطباء على حساب التخصصات الصحية الأخرى، بل على حساب التميز في التخصصات الصحية والصيدلية الأخرى، لأن الكلية ستستقطب المتميزين فقط..؟

لا أدري من هي الجهة الأكاديمية التي أوصت وأقرت مثل ذلك التوجه ومدى ملاءمته لوضعنا الصحي المحلي؟ ترى كم هي المواد المشتركة بين الكليتين، الصيدلة والطب؟ أليس في ذلك تعميق للنظرة الدونية تجاه خريج الصيدلة والعلوم الطبية حين نعتبره نصف طبيب، يحتاج إكمال الطب بدلاً من مواصلة التخصص والتميز في مجاله الأساسي؟

آمل أن لايكون الهدف من ذلك هو استعجال حفلات التخرج..

أضف تعليق