الخبر مدينة ساحلية جميلة إن لم تكن واحدة من أجمل المدن الساحليه ببلادنا، بمجاورتها لشواطيء الخليج العربي وامتداد شاطئها مع شاطىء نصف القمر وشواطئ الدمام الأخرى. وهي تمثل مقصداً للسائحين بسبب ميزاتها الساحلية كما تمثل مدينة مفضلة لعاشقي العيش بجوار البحر.
الخبر تعتبر مدينة حديثة مقارنة بشقيقتها العريقة على الساحل الغربي مدينة جدة أو عروس البحر الأحمر كما يفضل محبوها تسميتها، لكن الإشكالية هي أن المدينة الحديثة بدأت تخطو حذو المدينة العريقة في أحد أبرز سلبياتها، والمتمثلة في تحويل شواطئها إلى شواطىء إستثماريه ينعم بالتمتع بها فقط من يملك المال الوفير.
غبت عن الخبر أربع سنوات وبعد العودة وجدت وجهها تغير ووجه الشاطىء تحديداً أخذ في التغير بشكل سريع.. ما عادت الواجهة البحرية التي كانت مكسوة بالعشب وكانت المكان الآمن لأطفالي للعب والاستمتاع بجمال البحر، هي تلك الواحة، بل أصبحت غابة من مطاعم الوجبات السريعة والأسواق..
شاطىء نصف القمر، ذلك الشاطىء الجميل الممتد لأكثر من 20كيلو متراً لم يعد هو الشاطىء الرملي الفطري، بل أصبح قليل منه مشاعاً للناس وكثير منه تم اقتطاعه ويتم اقتطاع أجزاؤه كل يوم ليتحول إلى استراحات وشاليهات والمشاريع التجارية..
في رسم كاركاتيري معبر رسم أحدهم سوراً محفوراً فيه فتحه صغيرة وأحدهم يناظر من تلك الفتحة لأجل أن يطلع على البحر في جدة، كتعبير عن حجب الاسوار والمباني التجارية والترفيهية والسكنية الفخمة لوصول ذلك المواطن صاحب المنظار إلى شاطئ جدة، فهل يكتب علي أهل الخبر والمقيمين بها أن لا يتمكنوا غداً من الوصول إلى شواطئها والاكتفاء بالنظر إليها عبر غابة من الأسمنت وقلاع من المطاعم والأسواق التجارية..
أقدر لبلديات المدن وأماناتها اهتمامها بالاستثمار وتنمية الموارد الذاتية.. لكن أليس من مسؤولياتها الحفاظ علي الطبيعة والبيئة الساحلية بشكلها العذري الجميل حول المدن؟
اقدر لتجارنا رغبتهم في منافسة المدن الكبرى ببناء الناطحات والأسواق الفخمة لكن أليس للمواطن المسكين الحق في الاستمتاع بشاطئ مدينته دون تكاليف مادية ودون دفع رسوم مشاريع الأغنياء الاستثمارية..
هل أصبح في مقدور رب الأسرة الصغير اصطحاب أطفاله الصغار إلى واجهة الخبر البحرية؟ هل يستطيع مقاومة رغبة أطفاله الصغار في التمتع بوجبة سريعة حينما يجد نفسه بين عشرات المطاعم الغالية في السعر الفقيرة في القيمة النوعية غذائياً..
عدت للخبر بعد سنوات فأصبح خياري الوحيد في زيارة شاطئ نصف القمر هو صباح الجمعة. أتدرون لماذا؟ لأن ذلك الشاطئ بطوله وعرضه لم يعد متاح منه لعامة الناس سوى القليل، الذي يزدحم عليه الكثير من الناس، وكلنا يعرف أن زيارة كورنيش مزدحم يعني أن تكتفي أنت وأسرتك فقط بالجلوس والترقب من الآخرين وحول الآخرين في كل تحركاتك وهمساتك.. في يوم الجمعة تضمن على الأقل أن الكثير من الناس نيام..
ولازالت عجلة التكسير لشواطئ الخبر الجميلة قائمة.. ولازالت عجلة التشييد لمنشآت التجارة والترفيه قائمة في مدننا المجاورة للبحر، وكأن البر والصحراء ضاقت بنا للبناء، فمن ياترى يوقف تلك العجلة أو يقننها للحفاظ على نقاء وعذرية شواطئنا الجميلة؟ من يبقي البحر مكاناً يرحب بالفقير والمواطن العادي ابن المدينة والزائر..؟
من ينقذ الخبر من أن تصبح “جدة” أخري؟