معايير العدالة في القطاعات الخدماتية

كتبتُ في المقال السابق عن الخشية من تأثر عدالة توزيع الخدمات الرئيسية ببعض التوجهات التي تتبناها بعض القطاعات المعنية بالخدمات الأساسية التي كفلها النظام للجميع، وأواصل هنا بالإشارة إلى أن التنافس أمر محمود لتطوير الخدمة، وتوفير الخيارات للمواطن أيضاً أمر محمود، ولكن هل المريض يختار مرضه؟ هل يختار مكان المرض وتوقيته؟ عندما يصاب الإنسان بعارض صحي هل يحق له، أو لديه الإمكانية والمعرفة ليختار مقدم الخدمة الذي يمكن اللجوء إليه، مثلما يقرر أن يختار ثوبه أو غترته؟ هل الأب الفقير يملك القدرة على إدخال ابنه النبيه في تلك المدرسة التي تضمن الامتياز لأكثر من نصف طلابها؟

قلقي في هذا الجانب ليس منطلقه كره القطاع الخاص أو الأهلي، وليس الاعتراض على الاستثمار الخاص في الجوانب الخدماتية كالصحة والتعليم، وليس الاعتراض على استفادة القطاع الحكومي من إمكانات القطاع الخاص، فهذه جوانب تبدو ضرورة في هذا الزمن الاقتصادي الصعب، ولكن القلق مصدره:

أولاً: طغيان الجانب الربحي على حساب الجانب الأخلاقي العادل في توزيع وتقديم الخدمة الأساسية التعليمية والصحية.

ثانياً: ضعف التشريعات والضوابط والنظم والرقابة التي تحكم هذه القطاعات، وبالتالي تدني معايير العدالة وتحول هذه الخدمات إلى سلع لا تراعي بشكل كاف أثناء تقديمها الضابط الأخلاقي والاجتماعي.

ثالثاً: أنه بمجرد ظهور هذا النوع من الخدمات الخاصة أو الأهلية، نفضت الجهات الحكومية المعنية يدها من الاهتمام بالتطوير والحفاظ على مستوى الخدمات الحكومية، فهي أطلقت العنان للقطاع الخاص بجشعه واستغلاليته المادية دون ضوابط، بل أسهمت في نموه وتقويته بإضعافها أو إهمالها للخدمات الحكومية، وكأنها تتآمر مع القطاع الخاص على ذلك المسكين المواطن، الذي سيجد نفسه كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالقطاع الحكومي الخدماتي يخذله بتقديم مستويات باهتة متواضعة والقطاع الخاص يثقل كاهله بالديون والهموم.

نكرر بأن التمييز بناءً على معايير مادية ومعايير النفوذ البحتة يقود إلى ظواهر أخرى بعضها خفي وبعضها ظاهر، كالرشوة والمحسوبية والمناطقية وضعف الأمانة وغيرها من مظاهر الفساد، وعليه فإن توفير العدالة في توزيع الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة يمثل المدخل لتوفير العدالة الاجتماعية والحديث عنه ليس مجرد ترف فكري وإنما ضرورة لعلاج جذور الفساد والفوضى في حياتنا العامة والإدارية على السواء.

مجلس الشورى الموقر هل يجعل موضوع العدالة في توزيع الخدمات وأبعادها الاجتماعية عنصراً رئيساً حاضراً عند مناقشة الأنظمة وإقرار التشريعات ومراجعة التقارير السنوية؟ هل يدرس أو يحث المجلس مراكز البحث والدراسات ببحث الظواهر الاجتماعية المتعلقة بالتنظيمات الصحية والتعليمية والتجارية وغيرها مما له علاقة بحياة المواطن الأساسية بشكل أكثر تعمقاً وفهماً؟ هل يتم دراسة علاقة الأنظمة والتراخي في تطبيقها بشكل عادل بتكريس الفقر والظواهر الاجتماعية والأمنية ضمن بعض فئات المجتمع وبالتالي تعميق هوة الفوارق؟

أرجو أن لا أكون مبالغاً في هذا الجانب، فدافعي الحرص على أن لا أرى محروماً من خدمة أو ميزة كفلها النظام، وأن أرى التمايز بين أبناء بلدي يأتي بناءً على قدراتهم وجهدهم وتفانيهم في خدمة هذا الوطن العزيز، وليس بناءً على معايير لا يملكون تجاهها حولاً ولا قوة، حيث لم تعد الأمم تُقاس فقط بمقدار قوتها العسكرية أو مدخولاتها المادية أو ضخامة مدنها ومنشآتها وإنما بما توفره من عدالة في توزيع خدماتها الأساسية، من مياه وتعليم وصحة وتوظيف ونظافة وغيرها.

أضف تعليق