تطوير البرامج الجامعية: القضاء مثالاً

كانت التخصصات العلمية في الماضي شمولية وغير دقيقة حيث كان المطلوب من العالم أن يكون متمكناً من عدة علوم في وقت واحد، حتى أن البعض يحتار في تصنيف بعض العلماء القدماء مابين الكيميائي والفيلسوف والفيزيائي وعالم الدين… إلخ فلم يكن الشيخ ابن سيناء مجرد طبيب بل وفيلسوف وكيميائي ولم يكن ابن الهيثم مجرد عالم بصريات بل وعالم فيزياء ورياضيات وفلك، ولم يكن أديسون لاحقا مجرد مهندس كهربائي بل باحث و عالم في الفيزياء والطبيعة والكيمياء. هذا الوضع تغير مع بروز الثورة الصناعية وما صاحبها من ثورة تقنية علمية وبحثية، أصبح التوجه مغايراً حيث أصبح التركيز على تطوير التخصصات الدقيقة، حيث تجد عالم الكيمياء الذي لايفقه شيئاً في الفلسفة أو الاجتماع، وتجد عالم الحاسب الآلي الذي لايفهم شيئاً في الطب، وقد نتج عن ذلك تخصصات كثيرة ودقيقة بعضها حينما يذكر لانعرف حتى معناه اللغوي… فما هو التوجه القائم حالياً، في مجال العلوم والبحث والتطوير؟

لقد أدرك المجتمع العلمي بأنه بالغ في التخصصات الدقيقة بشكل أدى إلى إيجاد بعض الثغرات في مجال البحث العلمي والتطوير المهني، وبالتالي ظهرت هناك موجه مابين النموذج ماقبل الصناعي المتركز نحو إيجاد العالم الشامل ومابين النموذج الصناعي المعتمد على التخصص الدقيق، هذه الموجة تتمثل في دمج التخصصات للخروج بتخصصات جديدة، والدمج في غالب الأحيان لايتجه نحو إلغاء التخصص الدقيق وإنما يسمح لصاحب التخصص الدقيق لأن يتعمق في تخصص آخر، فعلى سبيل المثال يمكن تصور مشروع الجينوم الذي صنف كأحد أكبر المشاريع العلمية المعاصرة، من قام ويقوم بتطوير ذلك المشروع هل هو الطبيب ؟ هل هو عالم البيولوجي، هل هو المتخصص في الحاسب الآلي؟ كيف تمكن أولئك من جمع جهودهم وإخراج عمل مشترك ضخم كهذا؟

الإجابة تكمن ببساطة في الاعتماد على تخصصات جديدة، هي في الأساس عبارة عن مزيج من التخصصات المختلفة، فالطبيب أو عالم البيولوجي تم تدريبه أو تأهيله في مجال الحاسب الآلي ليخرج بتخصص جديد سمي المعلوماتية الحيوية او التقنية البيولوجية أو المعلوماتية الجينية أو غيرها من المسميات، وتخصص الحاسب الآلي والمعلوماتية تم تطويره ليصبح المعلوماتية الطبية أو المعلوماتية البيولوجية… الخ

على المستوى المحلي هل هناك إدراك بهذا التوجه؟

بكل أسف هناك بيروقراطية أكاديمية وتعقيدات تنظيمية لم تسمح بإبراز مثل هذا التوجه ضمن نظمنا التعليمية الجامعية، رغم حاجتنا إليه ليس فقط من ناحية علمية وبحثية فقط بل ومن ناحية توظيفية، فعلى سبيل المثال لنأخذ تخصصي الحاسب الآلي والاجتماعيات. يمكن الاستفادة من خريجي الاجتماعيات في تدريس الحاسب الآلي وهو التخصص الذي تعاني الجهات التعليمية من نقص في كوادره، بتقديم دورات أو دبلومات في الحاسب لخريجي الاجتماعيات لتأهيلهم في الحاسب الآلي، فهم بتخصصهم التربوي والاجتماعي قادرون على أداء الرسالة التعليمية التربوية وتأهيلهم في الحاسب الآلي أفضل من الانتظار لتأهيل جامعيين جدد في تخصص الحاسب الآلي التربوي، إن وجد هذا المسمى…

مثال أخر ؛ في مجال القضاء والتحقيق أرى الحاجة ماسة للرفع من مستوى القبول في كليات الشريعة والقانون المعنية بهذا الموضوع لتصبح مابعد الجامعية، فبدلاً من أن يلتحق خريج الثانوية بكلية الشريعة (أو معهد القضاء) ويتخرج خلال أربعة أو خمسة أعوام قاضياً شرعياً متخصصاً في العلوم الدينية، يمكن أن يلتحق خريج الاجتماع أوالعلوم الصحية أو العسكرية أو الاقتصاد أو غيرها من التخصصات ليدرس لمدة ثلاثة أعوام فيتخرج لنا قاضياً ذا خلفية في مجالات أخرى أو قاض متخصص في مجال معين كأن يكون قاضيًا معنياً بالقضايا الصحية أو العسكرية أو الاقتصادية.

أضف تعليق