كتبت في مقال قديم عن موضوع التقنية الحيوية وخلصت إلى الدعوة إلى تبني البحث في التقنية الحيوية وتطبيقاتها المختلفة، ذات العلاقة بالإنسان والحيوان والنبات والبيئة، وركزت على قضية التسابق العالمي نحو اكتشاف الجينات والصبغات الوراثية المسببة للأمراض والمساهمة في اكتشاف الأدوية لتلك الأمراض، وضرورة أن يكون لنا قصب السبق في هذا المجال، إن لم يكن على المستوى العالمي، فعلى الأقل فيما يخص بيئتنا وما يعنى بالأمراض التي نعانيها في منطقتنا، حتى لا نبقى متأخرين في هذا الشأن. وحين كتبت مؤخراً عن أخلاقيات الممارسة الصحية أعادني الصديق الدكتور محمد خليفة للموضوع (الدكتور خليفة عضو هيئة التدريس و استشاري الأمراض الجينية بجامعة كوين ومستشفاها الجامعي بكندا وصاحب خلفية عن موضوع تخصصه بالمملكة بحكم زياراته العلمية ومشاركته متحدثاً في أكثر من مؤتمر ذي علاقة بالموضوع)، حيث يرى بأن التقدم في معالجة الأمراض الوراثية والجينية بشكل فعال يتطلب أولاً: تغيير الإستراتيجية الصحية على المستوى الوطني في تعاملها مع الأمراض الجينية والوراثية، وثانياً: على ضرورة تكامل الخدمات العلاجية والوقائية والبحثية والتدريبية والتنظيمية في مجال الجينات والصبغات الوراثية وأمراضها.
يضيف الدكتور (خليفة) بأن النموذج الطبي، الذي نلحظ أنه لايزال سائداً في المملكة، الذي يتعامل مع الجسم كآلة، يستدعي الدكتور لإصلاحها متى عطبت، تماما مثلما يتم استدعاء الميكانيكي لإصلاح الآلة حين تعطب، سيطر لفترات طويلة على الخدمات الصحية، بشقيها العلاجي والتعليمي، وهو نموذج يعتمد على تقنيات عالية ومكلفة في تقديم الخدمات الصحية. في الدول المتقدمة بدأ التوجه في السنوات الأخيرة نحو عكس هذا النموذج، بحيث أصبح التركيز على الفحص المبكر والوقائي وعلى الوقاية والرعاية الأولية. وليتم ربط ذلك بموضوع المقال يرى الدكتور خليفة بأن الفحوصات الجينية والوراثية الأولية تحتل الأولوية ضمن برامج الفحص الوقائي والأولي، بل ويرى أن التقدم العلمي أتاح لنا أنواعا من الفحوصات الفعالة التي يمكن تطبيقها بتكاليف تقل بكثير، بل بأضعاف مضاعفة، عن مجرد علاج الحالات المكتشفة وذات العلاقة بالجينات والعوامل الوراثية، مثل أمراض التخلف والتشوهات الجسدية والعقلية لدى الأطفال. وهذا ما يجب أن تصاغ حوله السياسة الصحية في هذا المجال، إن كانت المملكة فعلاً تريد البدء من حيث انتهى الآخرون.
لقد كان الدكتور (خليفة) سعيداً حينما اطلعته على التوجه الجديد بإلزامية الفحص الوراثي قبل الزواج، ولم أعلمه-تجنباً لإطالة المكالمة الدولية- بأننا نحصر إجراءه في مركز بمدينة بها خمسة ملايين نسمة وبها اعلى معدل، ربما في العالم، في نسبة الزواج والإنجاب، ولم أعلمه بأننا اكتفينا بذلك الفحص ولم نطور موضوع الوقاية والفحص أو الاستكشاف المبكر عن بعض أو احتمال حدوث بعض الأمراض الوراثية ضمن برامجنا الصحية الوقائية وضمن اهتمامات مراكز الرعاية الأولية، ومراكز الرعاية الاولية هذه المناسبة ينقصها الكثير والكثير. كما لم اعلمه بأن بعضنا لازال يشكك في اهمية وقيمة البحث العلمي في مجال التقنيات الحيوية الحديثة وأهمها تقنيات العلوم الجينية والوراثية.