سنه أولى أكاديميا: الدرس الثاني

سأكتب اليوم عن الدرس الثاني الذي أدركته في عالم الأكاديميا، وأذكر بأن الدرس الأول الذي سبق أن كتبت عنه أوضح بأن أحد الصفات الرئيسية التي تغلب على العمل الأكاديمي في جامعاتنا هي صفة الفردية، التي تصل حد الأنانيه ضمن أوساط أعضاء هيئة التدريس، وقبل الكتابة عن الدرس الثاني أكرر القول بمحاولاتي أن أكون حيادياً في الكتابة مع عدم إغفال أنني أكتب عن تجربة قصيرة، لا أستطيع الفكاك منها طالما صنفت كرقم ضمن طاحونتها البيروقراطية الكبرى، وكل خشيتي أن تصبح جزءاً من حياتي وروتيني، بعد تجاوز مرحلة الصدمة بهذا العالم الذي كان مبهراً حين كنت أنظر إليه من خارجه، وكان طموحي جامحاً تجاهه، على إعتباره عالم النخبة، وعالم البحث الذي يجب أن تكون سمته الجديد دائماً.

الدرس الثاني: الإنفصام بين الإداره وعضو هيئة التدريس. في الأكاديميا الإداره الجامعية غير منظورة بالنسبة لعضو هيئة التدريس، فهو يسمع عن قرارات لكن لا اتصال بينه وبين الإداره حيث قد يقضي سنوات دون أن يقابل وكيل جامعته أو مديرها، وقد لايقابل عميد كليته سوى في المناسبات الرئيسية. الحديث طبعاً ليس عن لقاءات إجتماعية وإنما عن الالتقاء العملي والمهني بما يتيح تبادل الأفكار وتطويرها. أستطيع القول بأن إداة الجامعة ليس لديها الثقة في عضو هيئة التدريس، وليس لديها الثقة في إدارات الأقسام وبالتالي هي خلقت طبقات ولوائح بيروقراطية تبعدها عن عضو هيئة التدريس وتحيل عضو هيئة التدريس إلى مجرد رقم في هذا الفضاء الواسع، الأكاديميا. ألم أقل في الدرس الأول بأن الفرديه هي الطاغية في الفضاء الجامعي، لأن الإحساس بتقدير الأخر، وبالذات الإداره الجامعية، مفقود لدى عضو هيئة التدريس وبالتالي لايلام عندما تكون الفردية هي ديدنه.

لنأخذ مثال يتمثل في تقييم عضو هيئة التدريس، مهمة القسم هي التأكد من اكتمال الطلبات ورفعها للمجالس العليا، بمعى أخر مهمته هي القيام بعمل المتابعة السكرتارية لأوراق عضو هيئة التدريس، أما التقييم نفسه فهو مجرد تقييم كمي يحصي كمية من الأشياء، لكن لايوجد تقييم حقيقي يفيد عضو هيئة التدريس ويفيد تطوير العمليه البحثية أو الأكاديمية ويفيد الإداره الجامعية.. لايوجد جهة تبين لعضو هيئة التدريس في نهاية العام أو نهاية الفترة التي قيم عليها ماهي نواحي القصور التي عليه تجنبها أو تطوير مقدراته فيها. أي أن الفرصه الذهبيه التي تستغلها القيادات الإداريه عادة في تطوير مستوى الموظف والمتمثله في التقييم الدوري الذي يبين مستوى الإنتاجيه ونوعيتها والملاحظات تجاه الموظف من قبل رؤساءه ومناقشة الأهداف المستقبيلة للموظف، وغير ذلك من الأمور الإداريه المتعارف عليها، تنتفي في الجامعه، مما يشعر عضو هيئة التدريس بأن الإداره لاتهتم إن أنتج أو لم ينتج، لاتهتم أن وجد صعوبات في العمل أم لم يجد، لاتهتم إن كان لديه خطط تطويريه أم لا، لاتهتم بأمور كثيره تدعوني للجزم بمقولة وجود فصام أو انعزال شديد بين الإداره وأعضاء هيئة التدريس في قطاعاتنا الأكاديمية. كل ذلك يحدث تحت مشهد وبمباركة من (المصونه) اللوائح الأكاديمية، التي لانرى تطبيقها سوى في المهمات التعقيدية لعضو هيئة التدريس، حتى أسماها أحد الزملاء الموانع الأكاديمية، حيث يكثر فيها، لايجوز ولايحق ويشترط..

هذا الفصام بين عضو هيئة التدريس والإدارة أدى يؤدي غلى خلط الأدوار وعدم وضوحها وترسيخ ماذكرناه في الدرس الأول (الفردية)، وليس لنا سوى التأقلم معه، فنحن المتميزون لسنا بحاجة إلى إدارة، ويكفينا رؤية الإداريين في حفلات التخرج وحفلات الأنشطة الطلابية، إذا لم تصادف تلك الحفلات التزاماتنا في القطاع الخاص أو منافسات البلوت.

ولايزال هناك المزيد من الدروس التي تعلمتها خلال عامي الأكاديمي، انتظروها..

أضف تعليق