مدينة الملك فهد الطبية

    كتبت قبل عدة سنوات مقالاً بعنوان “مدينة الملك فهد الطبية حتى لاتصبح إسكاناً آخر” في 1420/10/28هـ مطالباً بضرورة افتتاح مدينة الملك فهد التي كلف بناؤها وتجهيزها أكثر من ملياري ريال، وظلت معطلة لسنوات عديدة، وكان رد معالي وزير الصحة آنذاك، بأن ذلك سيحدث في القريب العاجل. لا بأس إذا كان القريب العاجل لدى البعض يعادل أربع سنوات، ففي النهاية أتى ذلك القريب، وهاهي مدينة الملك فهد الطبية تستقبل مرضاها وعلى بركة الله تستعد ليوم عرسها/ افتتاحها الذي سيشهده ولي العهد-حفظه الله – خلال الأيام القادمة.

مشروع بهذه الضخامة ، مكون من أربعة مستشفيات متخصصة، يحتاج إلى فترة ليست بالقصيرة حتى يكتمل تشغيله على الوجه الأكمل، لكن التباهي بمدينة الملك فهد الطبية يجب أن يتجاوز ضخامة المشروع من الناحية الإنشائية إلى كونه مشروعاً يدار عن طريق كفاءات وطنية، وهو مالم يحدث في أي مشروع صحي سعودي مماثل، مما يجعلنا نتفاءل بكونه سيشكل مدرسة تفخر مستقبلاً بتخريجها جيلاً قيادياً متميزاً في المجال الصحي.

وأنا أشارك القائمين على المدينة الطبية الاحتفال بعرسهم الكبير، وثقتي بقدرتهم على تجاوز كل الصعوبات الإدارية والتنظيمية التي تواجه مسيرتهم، لابد أن اشير إلى نقطتين رئيسيتين أراهما بحاجة إلى مساندة من الجهات الأخرى.

ونحن نتحدث عن كفاءات قيادية سعودية فتية، تحتاج المساندة والدعم من قبل الجميع، يصبح من الضرورة أن يستعان ببعض الكوادر من بعض القطاعات التعليمية والتدريبية والصحية الأخرى. إغراءات المدينة المادية ليست كبيرة مقارنة بقطاعات صحية حكومية وغير حكومية أخرى، ورغم ذلك هناك كفاءات ترشحها القيادات الإدارية بالمدينة للمشاركة معها في هذا المشروع الوطني الضخم ، لكن مرجعيتها الأصلية تعارض انتقال أو إعارة تلك الكفاءات للمدينة الطبية. الأمر قد يحمل وجهة نظر حينما يأتي عن طريق بعض المؤسسات الصحية التي تستشعر الغيرة والقلق من تميز مدينة الملك فهد الطبية كمؤسسة منافسة، لكن حينما ترفض جامعة أو معهد التعاون مع إدارة المدينة بإعارة أو تسهيل انتقال بعض كوادرها للمدينة، فإن الأمر يدفعنا إلى مناشدة دعم الجهات الأخرى في هذا الشأن ، وتحديداً أناشد وزارة التعليم العالي ووزارة الخدمة المدنية التعاون مع المدينة الطبية بتسهيل انتقال بعض الكفاءات من الجامعات السعودية ومعهد الإدارة إلى المدينة بشكل مؤقت أو دائم، لأن الجامعات والمعاهد الإدارية الحكومية ماوجدت سوى لتأهيل الكفاءات وسد الاحتياجات الوطنية، ليس فقط على مستوى الطلاب بل على مستوى القيادات الإدارية، بدليل أن جل وزرائنا والقيادات الحكومية والشورية (نسبة إلى مجلس الشورى)هم من منسوبي الجامعات، فضلاً عن كون الجامعة تستطيع إستبدال عضو هيئة التدريس بآخر بينما إدارة المدينة الطبية يصعب عليها الحصول على القيادات الإدارية والتنظيمية التي تحتاجها في هذه المرحلة المبكرة من نموها…

في جانب الكوادر البشرية أيضاً نرى أن مشروع المدينة كشف الثغرات القائمة في التوفيق بين النظامين، نظام التقاعد المدني ونظام التامينات الاجتماعية، فالمدينة تعتمد حالياً على كوادر وزارة الصحة ومرجعيتها نظام الخدمة المدنية (التقاعد المدني بينما نظامها الأساسي وطريقة تشغيلها تفترض أن تستقل بنظامها الوظيفي التابع لنظام العمل والعمال) التأمينات الاجتماعية. هنا أجد إدارة المدينة في مأزق في مجال توحيد نظامها الوظيفي وأجد موظفيها القادمين من وزارة الصحة في حيرة بين الانتقال إلى نظام التشغيل الذاتي والاستقالة من العمل الحكومي أو العودة للعمل في مراكز ومستشفيات وزارة الصحة الأخرى. أنا لا أريد التنظير حول مميزات نظامي التقاعد المدني والعمل والعمال وثغرات الانتقال من احدهما إلى الآخر، لكنني أرى حتمية اتباع نظام توظيفي واحد في المدينة (نظام التشغيل الذاتي) وأرى بأن الأمر قد يتطلب توجيهاً من لدن القيادات العليا للجهات المعنية بإيجاد مخرج لهذه الإشكالية التي تمر بها المدينة الطبية، وهي إشكالية تمر بها وستمر بها مؤسسات أخرى في ظل التوجه نحو التخصيص ونحو تبني برامج تشغيلية حديثة. هي فرصة ممتازة لاختبار نظام تبادل المنافع بين نظامي التقاعد والتأمينات على أرض الواقع…

*نشر المقال بتاريخ 1420/10/28هـ

أضف تعليق