في مقال سابق واستمراراً لفتح ملف التعليم الصحي ببلانا، استعرضت تجربة جامعة الملك سعود في تعليم العلوم الطبية التطبيقية، وحملتها مسؤولية كبرى في عدم ارتقاء التعليم الصحي بالمملكة إلى المستويات المأمولة منه، لكون ثلاثين سنة من التجربة، تجربة كلية العلوم الطبية التطبيقية بالرياض، لاتترك مجالا للتبرير بحداثة التجربة ولكون التجربة تنتقل للجامعات الأخرى، دون رؤية نقدية توضح مكامن النجاح والفشل التي مرت بها التجربة الأولى بجامعة الملك سعود.. أترك الحديث عن الكليات جانباً الأن، وأشرح قليلاً عن طبيعة التخصصات الطبية التطبيقية أو الصحية المساعدة وبعض معاناتها..
أولاً: التخصصات الصحية المساعدة ذات طبيعة متنوعة ومتشعبة، فهي ليست مثل التخصصات الصحية الأخرى (الطب مثلاً أو طب الأسنان) تجمعها وحدة تعليمية واحدة وتملك هوية واضحة، حيث برامج العلوم الطبية (كما تجمعها كلياتنا المحلية) ليست علوماً إنسانية بحتة وليست علوماً طبية بحتة وليست علوماً تقنية بحتة، وإنما هي تجمع كل ذلك وتحاول جاهدة أن تخلق هويتها وشخصيتها الأكاديمية والخدماتية المستقلة. كليات العلوم الطبية التطبيقية وكذلك الكليات الصحية الأخرى بنيت على فلسفة أن كل ماهو غير طب فهو علوم طبية تطبيقية، وهذا أمر مقبول على ظاهره، لكن من الناحية العملية أدى ذلك إلى إيجاد كيانات تعليمية تفتقد الهوية أو الوحدة الفلسفية الاكاديمية الواضحة. على سبيل المثال تجمع كليات العلوم الطبية التطبيقية بين تخصصات المختبرات وصحة البيئة ذات الطبيعة المخبرية في تدريسها وتطبيقاتها وبين إدارة الخدمات الصحية والمعلومات الصحية ذات الطبيعة الإدارية الإنسانية وبين العلاج الطبيعي والتنفسي ذي الطبيعة السريرية المباشرة الاحتكاك بالمرضى وبين الأجهزة الطبية ذات الطبيعة الهندسية… الاشكالية تكمن في تعامل إدارات الكليات، وكثير منها غير متخصص في العلوم الطبية، تتعامل مع أقسام الكليات وكأنها ذات طبيعة متشابهة وهوية أكاديمية موحدة… لقد حشر أربعة عشر تخصصاً في كلية واحدة لكل واحد من تلك التخصصات هوية وطبيعة أكاديمية وتدريبية مختلفة عن الأخر، فأصبحت كلية العلوم الطبية ( كشكولاً) من التخصصات أو كليات تحت مسمى كلية. هذا خطأ استراتيجي عقد المهمة نحو طرح رؤية واضحة تسير عليها كليات العلوم الطبية التطبيقية..
ثانياً: غالبية التخصصات الصحية المساعدة تعتبر ذات طبيعة تطبيقية، وبالتالي فبرامجها التعليمية والأكاديمية والتدريبية لاتهدف في نهاية المطاف إلى تخريج علماء بقدر ماتسعى إلى تخريج مهرة في مجال تخصصاتهم. هذا يعني أن المهمة الشاقة التي تعترض القائمين على البرامج التعليمية في العلوم الصحية المساعدة تكمن في كيفية الموازنة بين التعليم الأكاديمي التقليدي والتدريب المهني – السريري المتقدم. هذه الحقيقة يبدو أنها لاتزال غائبة لدى كليات العلوم الطبية التطبيقية وإدارات الجامعات، فضمن وظائف أعضاء هيئة التدريس بالجامعات لاتوجد وظيفة بمسمى مدرس – مدرب سريري، بينما تزدحم الكليات بالاساتذة حملة الشهادات العليا النظرية. بمعنى أخر لايوجد مدربون يسهمون في تطوير المهارت السريرية والعملية التطبيقية في كليات العلوم الطبية التطبيقة، حيث أعضاء هيئة التدريس حملة الدكتوراه يجنحون للجانب التنظيري وليس العملي، وكثير منهم ليس له إرتباط عملي – سريري بمهنته سواء بالمستشفى الجامعي أو غيره. النتيجة هي غياب التدريب الحقيقي أثناء الدراسة.
ضعف برنامج التدريب السريري أثناء الدراسة يسنده اعتقاد خاطىء آخر، حيث يرى القائمون على هذا النوع من التعليم بأن فترة التطبيق التي تتبع التخرج وتعرف بفترة الامتياز هي الطريقة المثلى لتطوير المهارات العملية المطلوبة لخريج الكلية، وهذا خطأ متوارث في جامعاتنا وكلياتنا ولايتفق مع الطرق التعليمية الحديثة التي ترى بأن فصل الجانب النظري عن العملي زمنياً يخل بمبادىء التعليم التقني، فما بالنا وكلياتنا تحشو أذهان الطلاب لمدة أربع سنوات نظرياً ثم تلقي بهم في احضان المؤسسات الخدماتية لمدة عام (الامتياز) بغرض التدرب على ماتعلموه نظرياً خلال أربع سنوات.