وصفة تطوير البرامج الأكاديمية 1/2

هناك توجه ملحوظ تجاه افتتاح برامج أكاديمية جديدة وإقفال برامج أخرى، وهذا أمر محمود حينما يبنى على خطوات علمية واضحة، فالعملية التعليمية ليست جامدة ويجب أن تحقق رغبات المجتمع واحتياجات التنمية ومتطلبات التطوير الدائمة. لكن الملاحظ لقرارات افتتاح برامج أو كليات أكاديمية جديدة، في مجال التعليم العالي، يجد تعددها وأحياناً كثرتها، ولكنه يفاجأ بعد سنوات من إقرار تلك البرامج بأن بعضها لم ينفذ أو نفذت بشكل يفتقد المصداقية العلمية والعملية، ويصعب توجيه اللوم لصاحب القرار السامي بافتتاح هذا البرنامج أو ذاك، فالقرارات العليا تأتي كمصادقة على رغبة مجلس التعليم العالي أو الجامعة أو الكلية أو الوزارة أو القطاع المعني بالمضي قدماً في إنشاء البرنامج أو تعديله، وهنا تنشأ المعضلة التي تواجهنا كنقاد، هل يوجه اللوم للجامعة أو الكلية أم لمقام مجلس التعليم العالي المفترض فيه دراسة كل ما يرده من مقترحات وأفكار في هذا الشأن.

ربما ذكرت رأيي في مقالات سابقة حول بعض البرامج والكليات المستحدثة وما صحبها ويصاحبها من صعوبات نتيجة استحداثها دون مقومات أكاديمية وبشرية ومادية كافية، ولن اكرر اليوم الطرح حول جهة أكاديمية بذاتها ولن اخوض في التفاصيل الإدارية لعملية إقرار وافتتاح أقسام وبرامج وكليات أكاديمية جديدة محلياً، وإنما استعرض مبادئ أساسية يجب أن تحكم قيام أي قسم أو برنامج أكاديمي، أطرحها، كما تعودت أن أتجاوز النقد لمجرد النقد، بغرض تقديم أفكار اصوغها ضمن نقاط متسلسلة أتمنى أن يدرسها المعنيون بإصدار القرار وتنقيحها والإضافة إليها، لتكون بنود نظام واضح ومتكامل يلتزم به كأساس تنظيمي لإقرار إنشاء أو تعديل، أو إلغاء أي برنامج أكاديمي، بدلاً من المعاملات والمرافعات الخطابية الإنشائية المتبعة حالياً، وتهدف في الغالب إلى استمالة صاحب القرار أكثر منها إلى تقديم حقائق واقعية واضحة يبنى عليها للمستقبل. جملة اعتراضية هنا: أنا أصف معاملات قيام أو تطوير قسم أو كلية أكاديمية بما وصفته أعلاه، بناءً على مساهمة سابقة في كتابة مذكرات (مرافعات) أدت إلى إقرار أقسام عديدة.. تجربة أيقنت بعد تأملها وبعد مرور الزمن بأن الموضوع برمته كان معتمداً على حماس شخصي، وحينما تدنت فورة الحماس وتغيرت مواقع بعض الأشخاص وبانت شمس الإمكانات، رسى الأمر إلى العشوائية، لأنه لم توضع خطة عملية علمية زمنية تنفيذية واضحة.

أعود إلى النقاط المفترض بحثها وتوفرها بشكل ايجابي وعلمي، بالحد الكافي، قبل الموافقة على افتتاح / تطوير /تحوير / إنشاء برنامج أكاديمي، وألخصها في النقاط التالية:

أولاً: الهدف والرؤية الواضحة من افتتاح أو تحوير البرنامج، فلا يجب أن يكون الهدف مجرد التوسع في التعليم الجامعي، وإنما يفترض وجود هدف ورؤية علمية أكاديمية للبرنامج المراد لذاته، ووفق رؤية تتناسب مع مجاله.

ثانياً: الهدف من إنشاء البرنامج يجب أن يوضع في سياق أهداف وفلسفة الجامعة، أو المؤسسة أو القطاع، في حال تبني ذلك من قبل جهات غير جامعية، فالجامعة أو الكلية أو المؤسسة يفترض أن يكون لها أهداف محددة ورؤية وفلسفة واضحة، وبالتالي يفترض أن يكون أي توسع أو إنشاء متوافقاً مع تلك الرؤية، فمن غير المقبول مثلاً أن تأتي جامعة إسلامية ليس بها كليات علمية وأهدافها تعليم العلوم الشرعية واللغوية والدعوة فقط فتقترح البدء ببرنامج هندسة النفط بحجة حاجة البلد إلى ذلك التخصص وتوفر المباني اللازمة لقيامه، دون الأخذ في الاعتبار بقية المقومات الأكاديمية الأخرى.

ثالثاً: توفر مبررات من داخل المؤسسة الأكاديمية وجيهة للإلغاء أو التطوير مثل إعادة هيكلة الجامعة وتطوير أهدافها والتي تتطلب التحوير أو الإلغاء للبرنامج أو الكلية المرادة، أو مثل عدم إقبال الطلبة أو عدم توفر الأساتذة أو ارتفاع كلفة البرنامج بمالا يتوافق مع الاحتياج والإمكانات.

رابعاً: تشابه وتداخل البرنامج مع البرامج الأخرى داخل الجامعة ومدى اختلافه واستفادته منها، فعلى سبيل المثال يصعب الموافقة على قيام برنامج علم النفس الإسلامي بجامعة لديها قسم آخر يسمى علم النفس، دون النظر في التشابهات والتداخل أو التطابق بين البرنامجين، بينما يعتبر وجود كلية طب مشجعاً على قيام كلية تمريض بحكم إمكانية استفادة الكلية الجديدة من كلية الطب.

تنويه:

نظراً لحساسية البعض تجاه سلسلة دروس الأكاديميا أتوقف عن سردها بشكل مؤقت

أضف تعليق