وأنا أتصفح مجلة المعرفة التي أعيد إصدارها عام 1417هـ تحت إشراف محمد بن أحمد الرشيد، وزير التربية والتعليم. تأملت أخبار اليوم التي جاء فيها إعفاء معالي الدكتور محمد بن أحمد الرشيد عن العمل الحكومي الرسمي، كوزير للتربية والتعليم، بعد عطاء امتد حوالي العشر سنوات، كوزير وقبلها سنوات أخرى طويلة في مجال البحث والقيادة التربوية. أعلم أن معاليه ووزارته تعرضا لسيل كبير من النقد في الآونة الأخير، بما في ذلك بعض ماطرحه كاتب هذا المقال، فهذه مهمة النقاد وهذه طبيعة الحراك الاجتماعي الذي يركز على الصورة الأخيرة وينسى دائماً الصورة الأولى، لكنني حينما أتأمل تاريخ وزارة التربية والتعليم وقبلها وزارة المعارف ورئاسة تعليم البنات قبل وإبان فترة وزارة الدكتور الرشيد، أجدنا لم نتعرف عليه كثيراً وربما كان له دور في ذلك.
الدكتور الرشيد كان له دور، يتمثل في رفع سقف توقعاتنا التربوية والتعليمية، وفي الشفافية التي تعامل بها مع النقاد منذ بداية قدومه لوزارة المعارف (التربية والتعليم لاحقاً). بدأ ذلك مع منسوبي وزارته عبر لقاءات مديري التعليم الدورية والكتابة لهم عبر مجلة المعرفة ولقاءاته المتنوعة معهم، وامتد للمجتمع حينما تبنى مفهوم الحوار مع المجتمع ونقاشهم حول توقعاتهم ومتطلباتهم من الجهات التربوية والتعليمية.
ليس ذلك فقط، بل يحسب له محاولاته الجادة في تأصيل المفاهيم التربوية وتأطيرها نظرياً ومعرفيا، وليس أدل على ذلك من تبنيه إعادة إصدار هذه المجلة التي أمامي وهي مجلة تؤطر وتنظر لكثير من قضايا التعليم والتربية. وليس أدل على ذلك أيضاً تبنيه مفهوم التربية والتعليم بدلاً لمفهوم المعارف. كثير من البرامج التي تبناها معالي الدكتور محمد الرشيد، كبرامج الموهوبين والمبدعين، وبرنامج الحاسب الألي وبرامج التقييم الشامل وبرامج الطفولة وبرامج تطوير المناهج العلمية وغير العلمية، وغيرها من البرامج، على الأقل في إطارها النظري والمعرفي.
يجب أن ندرك بأن الدكتور محمد الرشيد يعتبر وتربوياً قبل كل شيء، وربما لم تسعفه الإجراءات الإدارية والاجتماعية في تنفيذ بعض ما كان يصبو إليه. لقد كان من سوء طالع وزير التربية والتعليم أن تقاطعت أعمال وزارته ومهامه مع الضغوطات الاجتماعية والبيروقراطية، وخصوصاً بعد أحداث سبتمبر الشهيرة.
لا يسمح المجال للاسترسال في الحديث عن الإنجازات والمعوقات والسلبيات والإيجابيات التي عاصرتها وزارة التربية والتعليم خلال العشر سنوات الأخيرة، لكنني أرحب بمعالي الوزير الدكتور الرشيد ليأخذ مكانه الأنسب ضمن أساتذة التربية، فقد كنت أحتار هل أرحب به في وزارة التربية كعلم بارز في المجال التربوي أم أتحسر خشية أن يخسرنا العمل التنفيذي البيروقراطي أستاذاً تربوياً.
تحية للدكتور محمد الرشيد على كل مابذله وما ننتظره منه، فقد نهل من الاثنين: الفكر التربوي والقيادة الإدارية وآن الأوان لأن نطالبه بتسجيل تجاربه ورؤاه التربوية والإدارية والفلسفية، وهو أهل لذلك، وجعل الله في من أتى بعده خير خلف لخير سلف.