هيئة التخصصات الصحية: حتى لا تفقد المصداقية

أنشئت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لتكون هيئة علمية متخصصة حيادية في مجال تقييم الشهادات المهنية للعاملين في التخصصات الطبية والصحية وتقييم البرامج التدريبية المتخصصة ومنح شهادات الاختصاص الطبية والصحية المتخصصة. وقد لعبت أدوارا قيمة وفعالة في أداء دورها التقييمي، بالذات في مجال معادلة الشهادات والاعتراف بالشهادات التخصصية الطبية، حتى غدت البوابة التي نأمل منها الكثير لردع المتجاوزين والمدعين في المجالات الطبية.. لكن الملاحظ هو إنحراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عن تلك الأدوار العلمية الحيادية في مجال التقييم والتقويم، وولوجها أبوابا تتعارض أو تنتقص من المهام الجليلة التي رسمت لها حين تم إنشاؤها.

تعتبر الحيادية أمراً حيوياً بالنسبة لمصداقية الهيئة، والحيادية تكمن ببساطة في حفاظ الهيئة على دورها التقييمي الذي أنشئت لأجله، وحينما تدخل الهيئة في العمل التنفيذي فهي تفقد مصداقيتها، لأن هذا يعني إنتفاء الحاجة إليها كجهة مساندة للجهات التنفيذية في القطاع الصحي والتعليمي. هذه الحيثية الرئيسية في عمل الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تم كسرها بتوليها الإشراف على إصدار التراخيص للمعاهد الصحية الخاصة، لأنها لم تعد في هذه الحالة جهة رقابية تقييمية، وإنما جهة تنفيذية تصدر التراخيص وتقبض الرسوم العالية، ولا يعتد برأيها مستقبلاً في تقييم خريجي تلك المعاهد أو مستوياتها المهنية والأكاديمية. كيف تستطيع الهيئة مستقبلاً أن تنتقد أو ترفض الإعتراف بمخرجات معهد هي من أصدر ترخيص العمل الخاص به، ومن تابع خطوات عمله؟ لا أدري ما هو المبرر لهذا التوجه؟ هل فقدت الهيئة هويتها العلمية الحيادية؟ أم أن الرغبة في تحصيل مزيد من الأموال هو الدافع وراء تخلي الهيئة عن مبادئها وأسس إنشائها الرئيسية؟

ربما كانت هناك إشكالية أو شكوى من قبل ملاك المعاهد الخاصة أو وزارة الصحة أو المؤسسة العامة للتعليم الفني أو الطلاب حول إجراءات الترخيص والمتبعة للمعاهد الخاصة، هذا أمر لا ننكره، لكن الحل ليس في توريط المنقذ الوحيد، المفترض، لنا من تدني مستويات تلك المعاهد في العملية التنفيذية الخاصة بتراخيص المعاهد الخاصة، لأن ذلك يعني ببساطة فقداننا خط الدفاع، الأمل الوحيد الذي كنا نرجوه أن يقف في وجه الطوفان، التردي الذي تسير عليه كثير من المعاهد الصحية الخاصة. نعم لقد كتفت أيدي الهيئة وجردت من حياديتها المطلوبة، ولا ندري من نطالبه بتقييم مخرجات تلك المعاهد الخاصة، بحيادية وأمانة علمية دون أن يتأثر بعلاقته التنفيذية بها…!

الحديث عن تكليف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بالإشراف على تراخيص المعاهد الصحية الخاصة والتشكيك بأن الدوافع الرئيسية وراء ذلك هو الرغبة في جباية مزيد من الأموال، يجعلنا نعزف على وتر آخر يشكو منه العاملون في القطاعات الصحية يتمثل في حجم الرسوم والتكاليف الباهظة التي تطلبها الهيئة السعودية من الممارسين والمتقدمين للممارسة الصحية والمشاركين في برامج الدبلومات وشهادات الاختصاص السعودية، حيث تضخمت تلك الرسوم بشكل كبير حتى غدت هماً وحملاً ثقيلاً على كاهل ابنائنا الأطباء والممارسين الصحيين، فالهيئة تطلب مبالغ كبيرة وغير منطقية لأجل التصديق والاعتراف بالشهادات وتطلب رسوماً أعلى بالنسبة للاختبارات والإلتحاق ببرامج الدبلوم وشهادة الاختصاص حتى أصبحت تكلفة الإلتحاق ببرنامج الاختصاص تصل ثلاثين ألف ريال وأكثر في بعض الحالات، يدفعها الطبيب السعودي المبتدئ الذي لم تسعفه الظروف في بعثة للتخصص خارج المملكة. ليس ذلك فقط، بل إن تلك المعادلات والرسوم لا تطبق على الجميع سواسية، حيث تطبق على جنسية دون أخرى وتفرض على قطاع صحي دون الآخر.

أعيدوا الحيادية والمصداقية للهيئة السعودية للتخصصات الصحية، فهي هيئة علمية وليست هيئة جباية أموال…

أضف تعليق