كتبت سابقاً عدة مقالات عن وضع التخصصات الصحية المساعدة أو التطبيقية(1)، وأبنت فيها بعض ما تعانيه تلك التخصصات من إهمال في الجامعات، كما تطرقت إلى معاملة الكادر الصحي التوظيفي للعاملين في تلك التخصصات وبالذات في مجال البدل الذي يحصل عليه العاملون في التخصصات الصحية، وكان التساؤل المتكرر هو عن عدالة ومنطقية ذلك البدل حين يعطي الأطباء 80% والصيادلة 50% وخريجي الكليات الصحية الجامعية والمتوسطة والمعاهد الصحية 20%، ولأنني أعتقد بأن وزارة الصحة هي المعني الأول بالمواضيع المتعلقة بالقوى العاملة الصحية بكافة فئاتها، فقد حاولت فهم موقف وزارة الصحة الفعلي من قضية تطوير الكادر الصحي بصفة عامة، وما يتعلق بالكوادر الصحية المساعدة بصفة خاصة، فكانت النتيجة هي مضمون هذا المقال، أطرحها وأترك الحكم للقارئ، كما أتيح الفرصة للمعنيين للتوضيح، إن هم أرادوا.
بما أن موضوع الكادر الصحي وعدم منطقيته في معاملة بعض الفئات العاملة في القطاع الصحي، بل وعجزه عن الوفاء بمتطلبات العاملين في القطاع الصحي الحكومي بكافة فئاته، أصبح ضمن المواضيع المتكررة في صحافتنا، سواء كان ذلك بأقلام كُتّاب معروفين أو بأقلام المعنيين بالأمر من القراء، فإنه من السهل قراءة وجهة نظر أو موقف وزارة الصحة تجاه هذا الموضوع من خلال متابعة تفاعلها مع ما يطرح، حيث تباينت ردود الفعل في ثلاثة اتجاهات: الأول: عدم وجود الرغبة أو القناعة، وأحياناً من مبدأ الإصرار، لدى الوزارة بضرورة تعديل الكادر الصحي وبالذات فيما يخص الفئات الصحية المساعدة؛ الثاني: عدم إدراك المعنيين بوزارة الصحة بأسس ومسببات ومعايير وحيثيات إصدار وتفصيل الكادر الصحي بشكله الحالي، وبالتالي فالمطلوب منهم أكبر من إمكاناتهم المعرفية والإدارية؛ والثالث: هو أن الموضوع لا يخص وزارة الصحة، ويخرج عن إطار صلاحياتها ونحن نظلمها بتحميلها هموم العاملين في القطاع الصحي. لتأكيد حيثية هذه الاستنتاجات أستعرض فيمايلي بعض الشواهد الدالة عليها:
تقدم بعض خريجي كلية العلوم الطبية التطبيقية إلى إحدى الجهات العليا بطلب إعادة النظر في الكادر الصحي، فيما يخص العاملين في التخصصات الطبية المساعدة، وتم إحالة المعاملة إلى مقام وزارة الصحة بتاريخ 1422/10/12هـ وبرقم 2/7607/3، ثم إلى مدير الشؤون المالية والإدارية برقم (4ـ1/24192) وتاريخ 1422/10/13هـ وبنفس الرقم إلى إدارة الاستحقاق بتاريخ 1422/10/14هـ … وانتهى الموضوع أخيراً للحفظ، ومثل أية معاملة حاول أصحاب القضية متابعتها وكلهم أمل في شرح أبعادها ووجهة نظرهم للمعنيين بشكل مباشر، ولكن المفاجأة لم تكن فقط في ما آلت إليه تلك المعاملة، بل في تعرض أصحابها إلى متاعب في أروقة الوزارة، وصلت إلى الاستهزاء بهم وخبراتهم والمهن التي يعملون بها.. بل الغرابة حسب قول أصحاب تلك المعاملة هي تلقي أحد الشباب مراجعي تلك المعاملة شتيمة جارحة من ألفاظها العربية الأعجمية “يو أر نثينق .. انتم شايفين حالكم.. أنتم ولا شيء.. علم أيش وخبرات أيش اللي بتتكلم عنها”.. بالطبع يمكن التعرف على تفاصيل المعاملة المذكورة من خلال الأرقام أعلاه، وليس لدي ما يمنع من تصديق أصحابها، إلا إذا كانت أهدافهم كيدية ستضاف إلى الـ 399857قضية كيدية، أو جاهلة، قدمت ضد العاملين في وزارة الصحة(2). الاستنتاج هنا هو عدم قناعة وزارة الصحة بمطالبات الكوادر البشرية الصحية حتى بالبحث عن حق يرونه ضمن حقوقهم، وبدلاً من بحث القضية بشكل موضوعي وعلمي واضح، تم اجهاضها وحفظها وتقريع أصحابها بشكل غير لائق… مع الاعتراف بأنه ليس من حقنا إجبار وزارة الصحة على تبني وجهة نظر بذاتها بقدر ما هو البحث عن موقفها الواضح تجاه الكادر الصحي، وضمناً نسأل عن معنى العناية بكافة منسوبي الوزارة والعاملين في القطاعات الصحية وماذا تعني شعارات تحقيق الرضا الوظيفي للعاملين بالمجال الصحي…
في تعقيب بجريدة الجزيرة بتاريخ 4رمضان 1422هـ، لسعادة الأستاذ عبدالله الفوزان مدير عام الشؤون المالية والإدارية بوزارة الصحة، على قارئ اشتكى من قلة بدل التفرغ لخريجي كلية العلوم الطبية التطبيقية، جاء ما يلي:
“نود الإفادة بأن اللائحة الصحية قد راعت عند إقرارها لبدل التفرغ للفئات المعنية مستوى الصعوبة في الدراسة ودرجة المسؤولية وطبيعة العمل لكل فئة. كما أن البدل الذي يعطى لفئتي الأطباء والصيادلة ليس فقط مقابل ساعات العمل الإضافية بل أيضاً مقابل تفرغهم للخدمة بحيث لا يسمح لهم بفتح عيادات أو صيدليات خاصة في حين أن البدل المعطى لفئة الاخصائيين والفنيين هو مقابل ساعات العمل الإضافية ويمتاز عن بدل الأطباء والصيادلة بأن نسبة البدل لا تتناقص مع سنوات الخدمة بل إن النسبة ثابتة طوال سنوات الخدمة (أي 20%)”.
هذا الرد يخالف ما هو حاصل في أرض الواقع، فالأطباء والصيادلة يسمح لهم بفتح عيادات وصيدليات خاصة، ويسمح لهم بالعمل خارج أعمالهم الرسمية، كما هو حاصل مع أعضاء هيئة التدريس الأطباء بالجامعات، الذين ينطبق عليهم الكادر الصحي، وبالتالي فقضية تفرغهم للعمل الرسمي غير صادقة، بل ان العكس هو الصحيح فخريجو العلوم الطبية لا يسمح لهم بافتتاح عياداتهم الخاصة حتى ولو لم يعملوا بوزارة الصحة، فعلى سبيل المثال وزارة الصحة لا تعطي تصريحاً لاختصاصيي العلاج الطبيعي بافتتاح عيادة علاج طبيعي خاصة، مما يدفع العاملين في هذا المجال إلى الحصول على تراخيص افتتاح مقرات لياقة بدنية عن طريق جهات أخرى وليس وزارة الصحة، وفي الباطن يقومون بعمل علاج طبيعي دون رقابة صحية مسؤولة، أو أنهم يضطرون للتستر تحت اسم طبيب يشاركهم لقمة العيش في مجهوداتهم، دون وجه حق سوى أن تصريح العيادة يجب أن يحمل اسم طبيب، ومثل ذلك يحدث مع اختصاصيي البصريات وتقنيات الأسنان وغيرهم من العاملين في المجالات العلاجية المصنفة كتخصصات مساعدة أو تطبيقية .. أما بالنسبة لصعوبة الدراسة وصعوبة المسؤولية، فهل ترى الوزارة تساوي صعوبة الدراسة والمسؤولية بين منسوبي وخريجي المعاهد الصحية والكليات الصحية والكليات الصحية الجامعية؟ هل ترى بأن صعوبة الدراسة بكلية الصيدلة ومسؤولية الصيادلة تعادل ضعف مسؤولية خريجي العلوم الطبية والصحية مرة ونصف المرة؟ لست أجد إجابة سوى عدم معرفة المعنيين بوزارة الصحة بطبيعة التخصصات الصحية وعدم معرفة حيثيات البدل الصحي، إن كان هناك حيثيات، وعدم معرفة ما يدور في أرض الواقع من تعامل مع كافة الفئات الصحية.
بينما حاول سعادة الأستاذ الفوزان في رده المشار إليه بجريدة الجزيرة إلى محاولة التفسير لأسس إقرار الكادر الصحي، نجده في ردود أخرى مثل ما طرح بالاقتصادية بتاريخ 23ابريل 2001م وبجريد الرياض بتاريخ 30رمضان 1422هـ أنكر دور وزارة الصحة واختصاصها في النظر في بدل التفرغ ولائحة الوظائف الصحية. لسنا نعلم سبب التناقض في التعقيبات من نفس الشخص على نفس القضية، ونسأله من هي الجهة المسؤولة، إذا لم تكن وزارة الصحة؟ هل يراجع العاملون في وزارة الصحة، مثلاً وزارة البلديات أم المواصلات أم الإسكان لمناقشة مطالبهم وشرح همومهم الوظيفية والعملية المختلفة؟
نحن لا نقفز على النظم وندعي بأن وزارة الصحة تملك حق التصرف المطلق المتفرد في القضايا التوظيفية والمالية الصحية، دون تنسيق مع جهات أخرى مثل وزارتي الخدمة المدنية والمالية ومجلس القوى العاملة وغيرها من الجهات، ولكننا نجادل بضرورة احترام وزارة الصحة لرغبات وطلبات ووجهات نظر العاملين بها بصفة خاصة والعاملين في القطاعات الصحية بصفة عامة، لأنها الوزارة الأم في المجال الصحي، ووفق النظام يحق لها، بل مطلوب منها، الدفاع عن مصالح وقضايا العاملين في القطاعات الصحية بكافة فئاتهم، ونرى بأن أية جهود في شأن تطوير الكادر الصحي يجب بدءها وتبنيها والدفاع عنها من قبل الجهة الصحية الأولى، وزارة الصحة، فوزارة الخدمة المدنية، التي قد يلقى عليها اللوم، ليست سوى جهة تنسيقية في المجال التوظيفي الحكومي ولن تكون أكثر حرصاً على تطوير الكادر الصحي من الجهات الصحية، ويجب التفريق بين التزام وزارة الخدمة المدنية بالتقيد بالأنظمة التوظيفية والمراسيم الملكية المتعلقة بالتوظيف واستحداث الوظائف والترقيات، وبين اسهامها في تطوير الكوادر الوظيفية المختلفة، ففي الأولى هي مسؤولة ومخولة بتطبيق القرارات وفي الثانية هي مجرد عضو ضمن أعضاء آخرين يناط بهم تطوير الكادر التوظيفي، الذي يجب بدء الخطوة الأولى فيه عن طريق الجهة المعنية، فكادر المعلمين على سبيل المثال بدأ وتم تبنيه من قبل الجهات التعليمية وكادر العاملين في مؤسسة التعليم الفني بدأ عن طريق مؤسسة التعليم الفني والكادر الصحي حين بدأ كان نقطة الانطلاق فيه عن طريق القطاع الصحي، وهكذا ليتم إعادة فتح ملف الكادر الوظيفي لأي قطاع كان، لا بد من مبادرة الجهة المستفيدة والمعنية به، شرط أن تتوفر لديها القناعة والرؤية المناسبة للتطوير والتعديل، فهي لدى وزارة الصحة مشروع مبادرة في هذا الشأن؟ هل يمكن الاستفادة من الكوادر التوظيفية الصحية بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، وبالخدمات الصحية بالحرس الوطني وبمستشفى قوى الأمن وغيرها من المراكز الطبية المتقدمة لصياغة نظام وكادر صحي جديد بنصف العاملين في القطاع الصحي الحكومي بكافة فئاتهم؟ أم أن الوزارة كالعادة ستلقي اللوم على الآخرين دون أن تبذل الجهد الكافي لتبني قضايا موظفيها والبحث عن الرضا الوظيفي والمعيشي لهم…؟
نتمنى أن تثبت لنا وزارة الصحة ميدانياً عكس ما استنتجناه أعلاه سواء في قضية تطوير الكادر الصحي أو في قضايا التدريب والترقيات والتطوير للعناصر الوطنية في التخصصات الصحية المساعدة، وإذا لم يكن ذلك ضمن صلاحياتها، فعليها الصراحة والوضوح في تحديد الجهة المسؤولة ليتسنى لنا توجيه السؤال إليها، وتقديم اعتذارنا على سؤال وزارة الصحة عمّا هو ليس في اختصاصها… واعتذارنا كذلك لهيئة التحرير والقراء بهذه الجريدة، الذين تحملوا تكرارنا، الذي نخشى ان أصابهم الملل من تكرار الكتابة في موضوع التخصصات الصحية، ولسنا نضمن عدم التكرار، ما لم نلحظ التغيير الإيجابي في هذا الشأن.
ــــــــــــــ
(1) انظر ما نشر بهذا المكان بتاريخ 2001/5/4م وتاريخ 2001/10/5م ويمكن الحصول على تلك المقالات إلكترونياً عن طريق مراسلتي على البريد الإلكتروني المدون أدناه.
(2) انظر تصريح معالي وزير الصحة المنشور بجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 25سبتمبر 2001م وجاء فيه: “بأن وزارة الصحة تلقت خلال العام الماضي 400ألف شكوى من المواطنين ولكن بعد التحقيق وجدت الوزارة بأن 143منها فقط تستحق التحقيق والمتابعة..” بما يعني أن البقية كانت مجرد كيدية أو جاهلة..