عندما تقام مدرسة صغيرة بإحدى القرى تستوعب 50طالبا يكون الأمر مقبولاً لأن خدمة التعليم تعتبر أساسية ولابد من توفيرها لابناء تلك القرية، لكن عندما تبنى مدرسة حكومية طاقتها الإستيعابية فقط خمسين طالبا بمدينة الرياض او الدمام أو جدة، فذلك يعتبر هدرا وسوء تخطيط. في نفس الوقت عندما يصل عدد طلاب مدرسة ما 2000طالب يصبح من الأفضل تحويل تلك المدرسة إلى مدرستين حتى يسهل إدارتهما والإشراف عليهما…
هذا الوضع ينطبق تماماً على القطاع الصحي، فبناء مستشفى صغير بمدينة صغيرة تحتاج الخدمة الصحية وعدد سكانها محدود، قد يكون أمرا مقبولا لكن بناء مثل ذلك المستشفى بمدينة كبيرة ذات كثافة سكانية واحتياج كبيريعتبر هدرا إقتصاديا غير مبرر، فضلاً عن كونه لن يقدم الخدمة المتميزة من الناحية النوعية، حيث يبقى المستشفى الصغير أشبه بمستوصف متطور غير قادر على استقطاب وتشغيل التخصصات المتميزة.
وزارة الصحة لديها 195مستشفى تحوي 28522سريرا، أي بمعدل 146سريرا لكل مستشفى، وقد نقبل هذا الوضع على اعتبار الصحة مسؤولة عن توفير الخدمة الصحية بجميع مناطق المملكة، بما فيها تلك الصغيرة التي لاتحتمل قيام مستشفيات كبرى ، لكن ماذا عن المستشفيات الصغيرة التي تنشأ بالمدن ذات الكثافة السكانية العالية؟ ماذا عن مستشفيات القطاعات الصحية الأخرى؟
سأطرح مثالا مستشفى الامام عبدالرحمن الفيصل بمدينة الدمام التابع للشؤون الصحية بالحرس الوطني وعن مستشفى قوى الأمن الجاري إنشاؤه بمدينة الدمام. مستشفى الحرس الوطني سعته 150سريرا لايعمل سوى جزء منها، رغم افتتاحه رسمياً قبل أكثر من عام، ومستشفى قوى الأمن أيضاً لايتوقع أن تزيد طاقته الاستيعابية عن 200سرير، رغم أنه سيخدم القطاعات الأمنية بأكبر مناطق المملكة مساحةً (الدمام، الاحساء، الخبر، الجبيل، القطيف، رأس تنورة، حفر الباطن، الخفجي، وغيرها).. في كل مستشفى يوجد إسكان موظفين وتوجد إدارات ومنشآت عديدة متشابهة ومتكررة…
هل يمكن أن نقتنع بأن حاجة المنطقة الشرقية هي فقط تلك الكمية المحدودة من الأسرة والتخصصات؟
إذا افترضنا أن تلك هي احتياجات المنطقة الشرقية فايهما أجدر اقتصادياً أن نحيل أولئك المرضى إلى أحد المستشفيات الخاصة أو مستشفيات الصحة أو مستشفيات وزارة الدفاع القائمة بالمنطقة، أم نبني لهم مستشفى فخما بتلك السعة المتواضعة؟
لماذا لايبنى مستشفى واحد للقطاعين أو للقطاعات الأمنية والعسكرية مكون من 500سرير أو أكثر، بدلاً من بناء كل قطاع مستشفاه الصغير المكلف اقتصادياً ؟
ماذا سيحدث لتلك المستشفيات الصغيرة؟
في البداية ستكون تلك المستشفيات أشبه بالمستوصفات، محطة عبور تحول المرضى إلى المراكز الأخرى المتخصصة بالمنطقة وخارجها، وبالتالي هي لن تقدم الكثير بالنسبة للخدمات الصحية بالمنطقة الشرقية لأن المنطقة لاتعاني من نقص مراكز الرعاية الأولية لكنها تعاني من نقص الخدمات الصحية المتخصصة… وبعد سنوات سنجد تلك المستشفيات تتوسع بإضافة الملاحق والملاحق، لخدمة عملائها حين تجد أن فاتورة التحويل أصبحت مكلفة، وهنا سنكرر مايحدث بمجمع الرياض الطبي ومجمع الدمام الطبي وغيرها من المجمعات والمستشفيات الفاقدة للهوية الإنشائية الموحدة..
لا أدري كيف يمكن إيجاد حلول لهذا الهدر الصحي في ظل انعدام اللغة المشتركة بين القطاعات الصحية المختلفة، لكن رغم ذلك أدعوكم لاقتراح الحل، لهذا الوضع غير الصحي في القطاع الصحي..