تمر المملكة بطفرة ملحوظة في مجال دعم المشاريع الإنشائية والتعليم بكافة فئاته العام والفني والعالي حظي بنصيب الأسد من تلك المشاريع، حيث يفوق حجم مشاريع وزارة التربية والتعليم المتوقعة هذا العام 15مليار ريال. هذا مؤشر واضح على دعم القيادة العليا واهتمامها بمجال التعليم بصفة عامة، لكننا نعود هنا لنذكر بتحذيرات حول ضرورة توخي الجودة في المشاريع الإنشائية الحكومية، حفاظاً على الأموال العامة وعلى سلامة الأداء.
أولى الملاحظات في مجال إنشاء المدارس تتمثل في النماذج الفقيرة التي يتم بناؤها، حيث أنها لا زالت تتعامل مع التعليم وفق فكر يرى بأن المدرسة مجرد قاعات درس وفناء للطابور المدرسي. لست أدري هل نبرر ذلك بضعف المفاهيم التربوية وعدم إدراك الأدوار التي يفترض أن تلعبها المدرسة في تنمية كافة الجوانب الشخصية لدى الطالب أو الطالبة أم أن التحفظات الإيدلوجية المتشددة توغلت حتى في تخطيط مشاريعنا التعليمية! الدولة لم تتردد في منح المليارات لإنشاء مدارس نموذجية متطورة ووزارة التربية والتعليم تصر على إنشاء مدارس لا تحوي مسارح ولا ملاعب ولاصالات هوايات وكأنها ترى بأن تلك الأمور مفسدة للتعليم يجب تجنبها! ماهو الفرق بين المبنى الحكومي والمبنى المستأجر؟ هل هو مجرد طريقة توزيع غرف المبنى وإضافة فناء أو بوابة خارجية؟!
القضية ليست فقط في التصاميم بل في جودة البناء، فهذا مبنى مدرسة لم يتجاوز عمره العامين فضحته الأمطار حين تسربت من سقفه وهذا مبنى مدرسي رفضت إدارة تعليم بالتنسيق مع إدارة المدرسة استلامه وتم استخدامه للضرورة فترة من الزمن مع الحرص على عدم استخدام دورات المياه أو المياه بصفة عامة في المبنى، فأتت جهات عليا من الوزارة لتقوم باستلامه ضاربة بعرض الحائط رأي الإدارة التعليمية وإدارة المدرسة…
يبدو أن هذه المشاكل ممتدة كذلك إلى التعليم الفني، فهذه كلية تقنية خر الماء من سقفها وعمرها لم يتجاوز الثمانية أشهر، بل ان الفضيحة في هذه الكلية هي عدم وجود خط كهربائي 220فولت في الكلية. تصوروا كلية تقنية ستستخدم تقنيات ومعدات حديثة وستدرب طلابها في تخصص الكهرباء ويتم البدء بالدراسة في مبناها بخط كهرباء 110فولت فقط! أضيف بان تلك الكلية لا يوجد بها ملاعب ومسرحها لا يتسع لأكثر من طلاب قسم من أقسام الكلية، ليس لصغر في مساحة الأرض لكن لضيق في افق المصممين والمتابعين لتلك المشاريع…
أعلم بأن البعض يحتج بضعف قطاع المقاولات المحلي وضعف نظام المناقصات الحكومية، لكن هذه الحجة لا ترضينا ولاترضي ولي الأمر الذي لم يكن هدفه من طلب سرعة تنفيذ المشاريع الحكومية إخراج مشاريع متواضعة بقدر ما هدف إلى الاستفادة من الإمكانيات الضخمة المتاحة نحو إسعاد المواطن والمقيم. أحد المهندسين المعماريين يرى بأن كثيرا من المشاريع الحكومية الحديثة بالذات في المجال التعليمي تبنى وفق عمر افتراضي لايتجاوز العشرين أو الثلاثين عاماً وهذا يمثل هدراً اقتصادياً كبيراً للمال العام ليس في الحاضر فقط، بل وفي المستقبل حين نجد أن البنية التحتية التي ننفق عليها مليارات الريالات ليس لها قيمة بعد عقود زمنية قصيرة…
لقد آن الأوان للتفكير بشكل عاجل في إنشاء هيئة رقابية مستقلة للمشاريع الحكومية؟