مركزية النظام

تزداد المطالب بإيجاد تنمية متوازنة بين جميع المناطق وفق إدارة أكثر فعالية في جميع القطاعات، ورغم ذلك لم نستطع حتى الآن الوصول إلى الصيغة الفعالة في الوصول إلى الأهداف المطلوب تحقيقها في المجال الإداري والمتمثلة بتوازن التنمية وتقليص هدر المال العام ورفع كفاءة الأداء والمخرجات للقطاعات الحكومية المختلفة. أعتقد أن أحد أهم أسباب هذا الوضع الشائك يتمثل في أنظمة التخطيط والمالية والإدارة الحكومية بالمملكة؛ حيث إن تلك الأنظمة وضعت منذ عقود في ظروف مختلفة وجل ما أحدث بها من تغييرات ظل شكلياً لم يمس الجوهر ولم يقد إلى إحداث تغيير يقود إلى تطوير حقيقي في شأن إدارة التنمية بالمملكة.

أحد مميزات التنظيم الإداري والمالي بالمملكة تتمثل في مركزيته وعدم ربطه بمؤشرات إنتاجية واضحة لكل قطاع، فالخطط التنموية تبنى بشكل قطاعي (قطاع الصحة، قطاع التعليم، قطاع الشؤون الاجتماعية، الخ) مع إغفال واضح للخطط التي تبنى لكل منطقة إدارية، وبناء عليه يأتي توزيع الميزانية وفق فلسفة قطاعية وليس وفق فلسفة مناطقية، كما يأتي النظام الإداري مركزي الأداء والتحكم وفق فلسفة بيروقراطية تعيق التنمية المتوازنة في جميع المناطق.

طبعاً ليس هنا دعوة إلى مناطقية حيث الأمر هنا يركز على الجوانب التنفيذية في القطاعات المحلية وبالذات الخدمية، مع الحفاظ على وحدة الخطط الإستراتيجية والسياسية. على سبيل المثال المطالبة بمنح ميزانيات مستقلة للمناطق التعليمية وإدارتها وفق وحدات مستقلة في كل منطقة لا يعني إيجاد مناهج مستقلة لكل منطقة ولا يعني إيجاد سياسات تعليمية مختلفة بين المناطق، وإنما يعني تخفيف العبء الذي تسببه الإدارة المركزية لوزارة التربية والتعليم وتحويل الوزارة الأم إلى جهة تخطيطية رقابية تنسيقية، ومثل ذلك ينطبق على الصحة والشؤون الاجتماعية والخدمات البلدية وغيرها. ولمقاربة المسألة في الجانب الإداري والمالي هنا نشير إلى الجوانب البلدية في المدن الكبرى كالرياض وجدة والمنطقة الشرقية ومكة المكرمة حيث إن تلك المدن أو المناطق أو المحافظات تحظى بأمانات مدن ذات استقلالية مالية وإدارية كبيرة مع ارتباطها مع وزارة الشؤون البلدية والقروية في الخطط العامة والتنسيقية والإستراتيجية. تصوروا كيف ستكون حال الرياض أو جدة أو الدمام لو كانت خدماتها البلدية تدار كما تدار الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية الأخرى؟

الضلع الآخر المطلوب لتفعيل الخطط المناطقية وإلغاء مركزية الإدارة التنفيذية السائدة هو إيجاد آلية أكثر عملية لقياس الميزانية الممنوحة لمختلف القطاعات. تلك الآلية تتمثل في إيجاد عناصر قياس إنتاجية لكل قطاع تتعاون وزارة المالية ومختلف القطاعات على تحديدها، وعلى ضوئها يصبح من السهولة بمكان ربط الميزانيات بخطط التنمية لكل منطقة وقياسها بمؤشرات إنتاج واضحة لكل قطاع، حيث سيقود مثل هذا الأمر إلى عدالة أكبر في توزيع الموارد وتنافس أجمل في الاستفادة من تلك الموارد بشكل أمثل.

لست أتفق مع من يرى بأن الإدارة المحلية في بعض المناطق غير مؤهلة لمثل هذا التوزيع الخططي والتنموي، لأن القضية تتطلب تقنين الأنظمة وتفصيلها لمثل هذا التوجه كما تتطلب المرور بمرحلة تعلم وتدرج في التطبيق لا أرى الكفاءات المحلية عاجزة عن استيعابها، وبالذات ونحن لدينا في كل منطقة حاكم محلي متمكن ومجلس منطقة مؤهل يعاونه في الإشراف على خطط التنمية بالمنطقة…

أخيراً نلحظ أن هناك توجهاً نحو بناء إستراتيجيات في جميع القطاعات وذلك تمشياً مع التوجيهات السامية في هذا الشأن. أتمنى أن يصدر توجيه ببناء إستراتيجيات التنمية في كل منطقة لنرى كيف ترى كل منطقة توجهاتها واحتياجاتها التنموية المختلفة. حينها سنجد أكبر معيق لتلك الإستراتجيات والخطط هو مركزية النظام الإداري وضعف آليات النظام المالي.

أضف تعليق