* تجاوزت تجربة مجلس الشورى السعودي الحديثة بدايات التأسيس التنظيمية والإدارية، وهي البدايات التي كانت تحث على التأني في نقد أداء المجلس واطلاق الحكم على مدى نجاح التجربة من فشلها، أما الآن ومع قرب انتهاء الدورة الحالية للمجلس. ارى أهمية مناقشة تجربة مجلس الشورى السعودية بموضوعية وشفافية، ضمن محورين رئيسيين..

المحور الاول يفترض ان يركز على الرؤية المستقبلية التي ينتظر ان يكون عليها المجلس، سواء في تشكيله واختيار اعضائه أو في طريقة ادائه للعمل التشريعي التنظيمي. فلا يكفي التغني بتفرد التجربة وتميزها دون وضع رؤية تطويرية، وخطة زمنية تقود التجربة إلى مراتب تتلاءم والآمال والطموحات التي تبنى على المجلس كجهة معنية باقرار التشريعات التنظيمية المختلفة. وتنظيم الرقابة على اداء الأجهزة التنفيذية وكذا فصل العمل التشريعي عن العمل التنفيذي.. الخ وسيكون الطرح أكثر جدوى لو شارك المعنيون بتطوير المجلس بتقديم رؤية مستقبلية يمكن نقدها وابداء الرأي حيالها. بدلا من الطرح الحالي الذي لا يتجاوز مجرد التأكيد على نجاح التجربة الحالية، دون الحماس لطرح آراء تتعلق بمجال التطوير المستقبلي..

المحور الثاني الذي يجب ان يناقش في سياقه اداء المجلس يتمثل في تقييم التجربة في دوراتها الماضية ودورتها الحالية التي توشك على نهايتها. والتقييم هنا يجب ان يتجاوز التقييم الكمي والشكلي من حيث عدد الأنظمة التي تمت مناقشتها وعدد الجلسات ونسبة التزام الحضور، فهذه وان بدت أموراً ايجابية، إلا انها يجب ان لا تكون الوسيلة الوحيدة للتقييم ويجب ان تنطلق إلى أبعاد الكيف والنوع في الاداء والتنظيم وبالتأكيد في المخرجات النهائية لاعمال المجلس، ولن ادعي الالمام بطرح كافة الملاحظات حول أداء المجلس في الفترة الماضية ولكنني سأعنى بطرح بعض الملاحظات التي أتمنى أن نراها تختفي في الدورات القادمة لمجلس الشورى..

من الملاحظات التي سبق وأن أشرت اليها هي عدم التزام اعضاء مجلس الشورى الموقر بأحد أنظمته الأساسية المتمثلة في تفريغ اعضائه لاعمال المجلس، فبالرغم من تفريغ الأعضاء من أعمالهم الرسمية أو الحكومية، إلا أن ماحدث ويحدث هو عدم تفرغ الكثيرين ممن يعملون في القطاع الخاص أو الاهلي لاعمال المجلس، بل ان العديد من الأعضاء توسعت أعمالهم ومناصبهم بمجرد الانضمام لعضوية المجلس، وهنا يجب التفريق بين مسألة المشاركة في أعمال ذات طبيعة اجتماعية كالمشاركة في لجان جمعيات مهنية أو تطوعية أو المشاركة في الفعل الثقافي كتابة ونقاشا، وبين المشاركة في مناصب وأعمال رسمية، حيث الاولى تظل مقبولة من الاعضاء ليتعرفوا بشكل أكبر على ما يدور في المجتمع ومايحمله المواطن من آمال وطموحات وصعوبات، ولكن الثانية تعني التعارض والتضارب في المصالح وتضع تساؤلات حول امكانية تأثر بعض القرارات والتنظيمات بمثل هذا التعارض، فعلى سبيل المثال يحتار المراقب كيف سيقيم أو يصوت أو يدرس عضو تاجر في القطاع الصحي الخاص النظام الصحي بصفة عامة دون ان ينحاز لمصلحة القطاع الصحي الخاص على حساب اصلاح القطاع الصحي الحكومي. وربما نسأل في كيفية انصاف الصحفي العامل في المؤسسة الصحفية طالما غالبية الاعضاء المعنيين بدراسة النظام الصحفي هم من مديري ومسؤولي مؤسسات صحفية، الا يخشى ان يكرس النظام لمصلحة المؤسسة الصحفية على حساب مصلحة العامل الصحفي..؟

بالتأكيد نحن لا نطالب العضو بأن يتجرد من قناعاته ووجهات النظر التي يراها ولكنه، أي عضو مجلس الشورى، يظل إنساناً قد يميل وفق ما تمليه مصلحته الخاصة وقد يكون لديه تعارض في المصالح تؤثر على قراره النهائي.. ولست أعلم ما هي الآلية التي عن طريقها يتم بها التأكد من عدم تعارض مصالح العضو بما يدرسه من مواضيع؟

الملاحظة الثانية تتعلق باستغلال شرف عضوية مجلس الشورى لانهاء مصالح ومعاملات شخصية تخص العضو أو عمله أو افراد عائلته.. الخ ولا ننكر هنا بأن ظاهرة الواسطة والعلاقات الشخصية ظاهرة اجتماعية عامة وليست خاصة باعضاء مجلس الشورى الموقر ولكننا نفترض ان يراعي عضو المجلس ماذا تعني عضويته ضمن مجلس تشريعي أو رقابي. ونفترض ان يكون العضو قدوة يحتذى بها وبالذات في مجال المواطنة واتباع الأنظمة، لأن ما يقدمه المدير أو الوزير أو المسؤول في قطاع رسمي لعضو مجلس الشورى يعني تحييز أو تهميش دور عضو مجلس الشورى الرقابي، ودون التلميح إلى اسماء بذاتها، فهذه الظاهرة اصبحت ملموسة واصبح بعض الوزراء والمسؤولين في حرج امام اعضاء مجلس الشورى بتعداد طلباتهم ووساطاتهم التي لاتنتهي، بل ان بعض أرباب القطاع الخاص تلمس هذه الصفة أو الميزة لدى عضو مجلس الشورى وبالتالي تحول بعض الاعضاء إلى شركاء أو مستشارين من الباطن لبعض شركات ومؤسسات القطاع الخاص، ليس بالضرورة لكفاءة وقدرة العضو على الابداع ولكن لما سيقدمه من خدمات شخصية في تمرير بعض المشاريع ضمن أروقة القطاع المعني بنشاط المؤسسة أو الشركة، وللاسف هذه الظاهرة موجودة في بعض دول الجوار ولكن ذلك لا يعني ان نقلدها ويجب تعريتها حفاظاً على مصداقية أداء المجلس..

الملاحظة الثالثة التي نطرحها تتمثل في نظام دراسة أو أقرار الأنظمة، حيث يجيز المجلس تبني عدد من الاعضاء اقتراح مناقشة موضوع ما. دون أن يكون ذلك الموضوع محالا إلى المجلس من قبل الجهات التنفيذية، ولكن بالنظر إلى المواضيع التي تمت مناقشتها وكان منبعها أعضاء المجلس نجدها قليلة جداً وربما تكاد تكون معدومة. ولست ادري ما هو السبب الحقيقي وراء ذلك؟ هل هو عزوف من قبل الاعضاء في طرح مواضيع للنقاش أمام أنظار المجلس؟ أهو قرار وتوجه تراه رئاسة وأمانة المجلس التي تملك حق طرح المواضيع للنقاش والدراسة؟ أهو عدم وضوح وصعوبة في النظام ذاته الذي يجيز مثل ذلك؟ لا ندري ولكن المؤكد ان المجلس لايدعي بأن ما يحال اليه من الجهات المعنية للنقاش والدراسة يعتبر شاملاً لجميع شؤون الحياة، ونتمنى ان يكون له دور أكبر في المبادرة بتبني الاقتراحات والمواضيع المختلفة..

الملاحظة الرابعة حول اداء مجلس الشورى في دوراته الماضية، وهي امتداد للملاحظة السابقة، هي تحول ادواره من المبادرة إلى رد الفعل. فبالرغم من كون لجان المجلس شمولية وتغطي كل لجنة مجالا معينا كأن تغطي لجنة الشؤون التعليمية على سبيل المثال كافة المجالات التعليمية، فإن الملاحظ هو مناقشة كل قطاع كحالة منفردة وبشكل يوحي بأن القطاع هو الذي يسير وجهة النقاش ويحددها سلفاً، فعلى سبيل المثال نجد ان المجلس عند مناقشته لاداء رئاسة تعليم البنات يطالب بانشاء هيئة لتقييم أداء كليات الرئاسة بينما هو لا يطلب ذلك من وزارة التعليم العالي أو وزارة المعارف أو المؤسسة العامة للتعليم الفني رغم ان الكلية هي الكلية سواء كانت جامعية أو فنية أو تعليمية أو رجالية أو نسائية. ونجد المجلس يدقق في مناقشة اداء رئاسة تعليم البنات مالياً وادارياً دون ان يسأل عن الهدر المالي والإداري والنوعي الناتج من جراء تعدد قطاعات التعليم العام، ونجد المجلس يناقش اداء كليات تعليم البنات بمعزل عن مناقشة اداء الكليات التابعة للجهات الاخرى.. وما أريد ان أتوصل اليه هنا: هو انه يعيب المجلس مناقشته اداء قطاعات ومؤسسات بدلاً من مناقشته سياسات وتوجهات واستراتيجيات مستقبلية، ولو استمر على هذا المنوال فستزدحم اعماله وتزداد جلساته ولن تكفي جلستان أو ثلاث جلسات اسبوعية، ومرة اخرى عن مثالي المفضل، التعليم، سيكون أكثر جدوى لو تمت دراسة ومناقشة وضع التعليم العالي بالمملكة ومستقبله من كافة جوانبه وبمشاركة ومساءلة لجميع القطاعات المعنية بالتعليم العالي كالمعارف والتعليم الفني والجامعات وتعليم البنات وليس وزارة التعليم العالي فقط وسيكون أكثر جدوى مناقشة التعليم العام خططاً وسياسة ومستقبلاً ضمن سياقه العام وليس بشكل منفرد لكل من تعليم البنات ووزارة المعارف وجامعة الامام ومؤسسة التعليم الفني.. الخ، وسيكون مفيداً مناقشة قطاع الشباب ضمن سياقه العام بمشاركة من الجهات التعليمية والإعلامية والاجتماعية والرئاسة العامة لرعاية الشباب بدلاً من حصر الموضوع أو مناقشته بشكل مجزأ ضمن ما تؤديه الرئاسة العامة لرعاية الشباب أو ما تؤديه وزارة المعارف.. وسيكون أكثر جدوى مناقشة قضية التوظيف بشكل شمولي يستحضر الجهات المعنية في المجال كوزارة الخدمة المدنية ومجلس القوى العاملة، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية.. الخ

الملاحظة الأخيرة وهي ليست بالجديدة، فتتعلق باستعانة المجلس بالخبرات والآراء من خارجه، وبالرغم من ادعاء القائمين على شؤون المجلس بعنايته بهذا الجانب، وعدم شكنا في ذلك، إلا انني اراه بحاجة إلى المزيد من ذلك وبحاجة إلى تطوير وتنويع طرق الاستعانة بالخبرات من خارج المجلس فلا يكفي استضافة عدد محدود وعن طريق علاقات شخصية للمشاهدة وابداء الرأي الذي هو عبارة عن انطباع عام، بل لابد من تكليف بعض الخبرات بتقديم دراسات وتحليلات وابحاث وآراء واضحة ولابد من عقد لقاءات ودوائر مستديرة مصغرة تتيح وتستحث مزيدا من الآراء المستندة على الحقائق والدراسات الموضوعية، كما انه يجب التأكيد على ان بلادنا ولله الحمد غنية بالخبرات المتعددة في كافة المجالات، وهي خبرات ليست بالضرورة محصورة في اساتذة جامعة واحدة، بل هي منتشرة في كافة القطاعات وكافة مناطق بلادنا العزيزة..

إن الآمال المعقودة على مجلس الشورى كبيرة، كيف لا وهو مجلس يضم نخبة متميزة من أبناء هذا البلد تم ويتم اختيارهم بعناية وحرص للقيام بالمهام المنوطة بهم على أكمل وجه، وأحد تلك المهام تقبل الرأي والملاحظات التي يطرحها المواطن.. مثلى، ومناقشة ماهو ايجابي منها لخدمة وطننا العزيز ـ حفظه الله ـ وحماه من كل شر.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *