مجالس المناطق: كيف نفعل عملها؟

ضمن تطوير النظم الأساسية للبلاد تم استحداث أنظمة المناطق ومجالس المناطق ومجلس الشورى وغيرها، ويعتبر الهدف الرئيس لمجلس المنطقة، محور مقال اليوم، الاسهام في تنمية المنطقة ببحث الأولويات التنموية التي تحتاجها المنطقة والاسهام في متابعة وتطوير الخدمات المختلفة بالمنطقة، وذلك تحت اشراف الحاكم الإداري وبالاشتراك مع مديري القطاعات التنفيذية بالمنطقة.. الموضوع يتعلق بمجالس المناطق بصفة عامة وليس منطقة بذاتها.. بعد مرور سنوات على تطبيق هذا النظام نرى بأن مجالس المناطق بحاجة إلى تفعيل أكبر ونرى بأن أعمالها وانجازاتها، وان تراوحت فعاليتها من منطقة إلى أخرى لا تزال، بشكل عام، دون المأمول في ملامسة هموم الشارع، وتحقيق طموحات أبناء وبنات المنطقة، وربما لا يلام في محدودية أدوارها الحاكم الإداري ولا الأعضاء وإنما ضعف الصلاحيات ومحدودية الآليات التي تملكها المجالس لفرض رؤيتها في تطوير منطقتها.. في هذا المقال أطرح وجهة نظر في تطوير تلك المجالس، ومثل أية وجهة نظر تظل قابلة للنقاش والتطويرأو الرفض.

مجلس المنطقة مطلوب منه الاسهام في تطوير المنطقة وبحث أولوياتها، ولكن النتيجة هي محدودية تأثير قرارات المجلس، لأنه، أي مجلس المنطقة، ليس لديه آلية واضحة في تنفيذ أو الحث على تنفيذ أية مشاريع تحتاجها المنطقة، وبالتالي أصبح دوره مجرد حاث لمختلف القطاعات بمنطقته لتطوير خدماتها، ومستمع إلى تباهي القطاعات بانجازاتها المختلفة.. الاشكالية هي أنه حتى مديري الدوائر الحكومية بالمناطق صلاحياتهم محدودة في اقرار المشاريع التي تحتاجها مناطقهم، بحكم مركزية كثير من القرارات وليس منطقياً أن نطالب أعضاء مجالس المناطق بالانكباب على الوزارات المختلفة لبحث أوجه تنمية مناطقها دون آلية عملية واضحة.

لنتجاوز المطالبة بتمثيل أوسع أو زيادة في الأعضاء أو تغيير في طريقة اختيار الأعضاء، فتلك أمور رغم ضرورة مناقشتها يوما ما، إلا أن الموضوع الملح حالياً هو تطوير صلاحيات مجلس المنطقة في تحديد أولويات منطقته، واعطاؤه دوراً عملياً في توجيه بعض الموارد الوجهة التي يراها مناسبة لنمو منطقته.. هذا الدور العملي المقترح يدعوني لطرح الاقتراح الأول في هذا المجال.

حالياً تعتبر ميزانيات المناطق ومواردها المالية مركزية وكخطوة أولى ورئيسة، اقترح أن تحتفظ كل منطقة بمواردها الذاتية مثل الاستثمارات والرسوم والمخالفات والجزاءات والعقوبات التي تفرضها الأمانات والبلديات وبقية القطاعات الحكومية الأخرى بكل منطقة، ومن ثم اعطاء مجالس المناطق الصلاحية الكافية لتوجيه تلك الموارد نحو دعم أو انشاء المشاريع والخدمات المفيدة للمنطقة حسب وجهة نظر المجلس.. بدلاً من احالة تلك الموارد الذاتية إلى بيت مال الدولة المركزي.

بالتأكيد سيكون ذلك دعماً اضافياً يسمح بدعم المشاريع في المنطقة ودعم بعض البرامج الاجتماعية والتعليمية وغيرها، وسيحفز هذا الأمر مجالس المناطق للاجتهاد في صرف تلك الموارد في الطريق الصحيح، بوضعها أمام مسؤولية أدبية وإدارية أمام مجتمعها وأمام المسؤولين، كما أنه في نفس الوقت سيسهم في جعلها أحرص على تفعيل الاستثمار الذاتي وفي تحصيل الرسوم وتطبيق الغرامات المستحقة وكل ذلك في النهاية سيسهم في الارتقاء بالعمل بالمنطقة، بل ان ذلك سيجعل المجالس تحرص على استقطاب مزيد من الموارد لصالح منطقتها.. البعض يقترح استقلال ميزانيات المناطق بشكل تام من مبدأ تقليص المركزية وتوزيع الموارد.. الخ وأنا أرى أن نبدأ بتطوير صندوق مالي خاص بكل منطقة تصب فيه الموارد الذاتية من استثمارات محلية ورسوم حكومية مختلفة، ليتم من خلال ذلك الصندوق وبتوجيه مجلس المنطقة دعم بعض المشاريع الملحة أو ايجاد بعض الخدمات الاجتماعية الملحة، مع التأكيد على أن لا يكون ذلك بديلاً للميزانية الرسمية الحكومية لكل منطقة وإنما داعماً ومسانداً لها..

الملاحظة الثانية المتعلقة بمجالس المناطق، هو التشابه بينها وبين مجلس الشورى من حيث اختيار أعضاء من أفراد المجتمع المتميزين للتمثيل بتلك المجالس، وهذا يدعو للسؤال هل يراد منها أن تكون مجالس شورى مصغرة بالمناطق؟ ما هي علاقة مجالس المناطق بمجلس الشورى؟

الواقع انه لا يوجد ارتباط عملي بين مجالس المناطق ومجلس الشورى، فمجلس المنطقة لا يكفي عدم قدرته على التواصل مع المسؤولين التنفيذيين في الوزارات المختلفة، بل هو ليس بقادر على نقل وجهة نظر منطقته لأعضاء مجلس الشورى الموقر، وهذا يعيب الاثنين مجلس الشورى ومجلس المنطقة، فمجلس المنطقة يود لو تمكن من ايصال وجهة نظر منطقته إلى مجلس الشورى، ومجلس الشورى يفتقد الية للتواصل مع مختلف مناطق المملكة وبالتالي تمثيل فئات المجتمع من كافة المناطق.

من المعلوم بأن مجلس الشورى يضم أعضاء متميزين ينتمون في الأصل لكافة مناطق بلادنا، ولكن لنكن أكثر وضوحاً، إن أولئك الاعضاء بعضهم لا يحمل من منطقته سوى الانتماء الاسمي بينما هو أقام ويقيم لسنوات في مدينة أو منطقة أخرى، بل وحتى في المناطق الكبرى بعض أعضاء مجلس الشورى ينتمون إلى بيئة أكاديمية أو مهنية أو اجتماعية محددة المواصفات وليست بالضرورة ممثلة لسواد الشارع الأعظم، وهنا أرى أننا بحاجة لأن يكون ضمن أعضاء مجلس الشورى أشخاص يمثلون مناطقهم بالمجلس، بأن يتم ضم عضو أو أكثر من مجلس كل منطقة ليكون ضمن أعضاء مجلس الشورى، فمثل هذا الوضع سيخدم مجلس الشورى في جعله أكثر وعياً بمطالب المناطق وبالذات النائية والبعيدة منها، وسيحفز أعضاء مجالس المناطق للعمل والمثابرة للحصول على شرف الانضمام لمجلس الشورى، بدلاً من أن يكون منتهى الطموح هو الجلوس في مجلس المنطقة.. لا أرى في ذلك اخلالا بعمل المجلس، حتى لو ضم إلى عضويته أعضاء من مجالس المناطق أقل تأهيلاً أو شهادة من بقية الأعضاء أساتذة الجامعات، فالمجالس التشريعية بحاجة إلى من يمثل الشارع بكل فئاته وليس مجرد علماء وأكاديميين ومنظرين بعضهم بعيد عن نبض الشارع.. اختيار 30أو 40عضواً يمثلون مجالس المناطق المختلفة لن يخل بتركيبة وعمل مجلس الشورى الموقر، فهل نرى ذلك في الدورات القادمة للمجالس المختلفة؟

الملاحظة الثالثة المتعلقة بمجلس المنطقة، تتمثل في غياب القناة النظامية المباشرة التي تسمح للمجلس بالتعامل أو التخاطب مع المسؤول الأول بأي قطاع أو وزارة أو مؤسسة حكومية، حيث ان ما يحدث حالياً هو نقل مقترحات المجلس أو طلباته إلى المسؤول الممثل للقطاع بالمنطقة فقط، وبالطبع للحاكم الإداري بالمنطقة، وهنا يأتي السؤال، هل يتولى المسؤول التنفيذي لقطاع ما بالمنطقة ايصال تلك المقترحات إلى الوزير المسؤول أم أنه يحفظها ويرى بأن رفعها فيه اساءة له أمام المسؤول الأعلى؟ ألا يشكل مخاطبة مجلس المنطقة مباشرة للوزير أو المسؤول الأول بالقطاع، أيا كان القطاع، دعما للحاكم الإداري وللمسؤول التنفيذي بالمنطقة في تحقيق احتياجات المنطقة؟

الحل أراه في أن يقوم الوزراء المعنيون بحضور جلسات مجالس المناطق، على الأقل جلسة سنوية لكل منطقة، أثناء زياراتهم المختلفة للمناطق، والاستماع إلى أعضاء المجلس حول توقعات وطلبات وشكاوى الأهالي بتلك المنطقة تجاه الجهاز الحكومي التنفيذي، ويمكن أيضاً رفع تقارير عن طريق مجلس المنطقة إلى الوزير المختص، بعد إذن الحاكم الإداري على هذا الاقتراح، للوزراء والمسؤولين المعنيين بمختلف القطاعات.. الهدف واضح هنا، ألا وهو البحث عن ايصال صوت مجلس المنطقة إلى المسؤول الأول بكل قطاع.

الفكرة أو الرأي الأخير الذي أطرحه في هذا الشأن يتمثل في كون بعض مجالس المناطق لا تلتزم بالأنظمة الخاصة بإدارة أعمال المجلس بدقة ووضوح، وهذا يعتبر أحد أسباب تباين انجازات وأعمال مجالس مناطق المملكة، وهنا لعله من المناسب أن ندعو إلى تنظيم دورات أو ورش عمل سنوية أو دورية مع بداية كل دورة تشريعية لتلك المجالس، لأمناء المجالس ومساعديهم يتم فيها شرح أنظمة مجالس المناطق وما يتعلق بها من آليات تتعلق بطريقة اتخاذ القرار والضبط والتوثيق والجهات المرجعية الواجب التعامل معها.. الخ.

يمكن أن يسهم في عقد تلك الدورات معهد الإدارة العامة أو أكاديمية الأمير نايف للعلوم الأمنية، أو أحد أقسام الأنظمة بإحدى الجامعات أو غيرها من الجهات ذات العلاقة، فالهدف هو ايضاح الآليات المتعلقة بإدارة تلك المجالس والأهم هو التأكد من فهم وتطبيق ومراجعة تلك الآليات، فمجالس المناطق لها أنظمة أولى أن تتبع في كافة المناطق بشكل واضح دون الركون إلى الاجتهادات الفردية.

ختاماً ألخص بأن مجالس المناطق بحاجة إلى تفعيل أدوارها وآليات اتخاذ قراراتها وكذا هي بحاجة إلى ايجاد الحافز الذي يضفي الجدية على أعمالها وعلى اهتمام أعضائها، فهي مجالس وضعت لأداء أدوار حيوية في مسيرة التنمية وليست مجرد ديوانيات اجتماعية تفتي فيما لا تملك، وتقرر فيما لا قدرة لها بمتابعته والتأكد من تنفيذه.

اضاءة:

الفكرة التي تستحق البقاء ليست بالضرورة تلك الكاملة بل التي تقود إلى توليد فكرة أخرى.

أضف تعليق