لا لإلغاء التخصصات النظرية!

“وماينطبق على المتخصصين في الجغرافيا ينطبق على المتخصصين بالتاريخ، الذين أيضاً لانحتاجهم وبالإمكان الحصول على المعلومات التاريخية من دوائر المعارف… وما ينطبق أيضاً على بقية التخصصات النظرية…”

النص أعلاه ورد ضمن سياق مطول كتبه أحد الدكاترة حول التعليم العالي بإحدى المجلات المحلية، وفيه لم يكتف بالتقليل من أهمية تلك التخصصات وإنما تجاوز ذلك بالتهكم على الأساتذة العاملين في تلك التخصصات. لست أود الرد هنا على مقال أو كاتب بذاته ولست متخصصاً في التاريخ أو الآثار أو الجغرافيا حتى أسل سيفي بالدفاع عن ماورد تجاههم، وإنما استعير هذا كمدخل للحديث عن التخصصات النظرية والتطرف الذي بدأنا نلمحه تجاهها من قبل عدد لايستهان به من النقاد والمنظرين…

نعم هناك فائض في مخرجات التخصصات النظرية وهناك صعوبة في استيعاب جميع خريجي التخصصات النظرية، وهناك ضعف واضح في مخرجات كثير من التخصصات النظرية، لكنّ ذلك مبرر كاف لأن نطالب باجتثاث جميع تلك البرامج من كلياتنا وجامعاتنا وليس مبرراً للانتقاص من شخوص العلماء المنتمين لتلك التخصصات، بل يجب التفريق بين مطالبتنا بتقنين وإعادة مراجعة مخرجات التخصصات النظرية من ناحية الكم والنوع، وبين طلبات الإقصاء والإلغاء، فنحن بلد لازال تاريخه يكتب ولازالت (طبوغرافيته) تبحث ولازالت آثاره تكتشف… نحن مجتمع يمر بمتغيرات كبيره تحتاج إلى علماء الاجتماع والنفس واللغة وغيرها من تخصصات العلوم الإنسانية والنظرية لدراسة و بحث وتأصيل وتأطير كل ماله علاقه بتلك التخصصات وفق أسس علمية قابلة للفهم والتأمل ومن ثم الإسهام في تشكيل الصورة الحضارية والإنسانية لمجتمعنا… وحتى العلوم الهندسية والتقنيه والطبية لايمكنها الاستغناء عن التخصصات النظرية التي تلعب دوراً حيوياً في توظيف وتأطير المستجدات التقنية ضمن معاييرنا الاجتماعية والحضارية…

أتمنى أن تكون الدعوه نحو تطوير برامج العلوم الإنسانية والبرامج النظرية بكافة فروعها نوعياً وأن يكون السؤال هو عن فشلنا في الاستفادة المثلى من البحث العلمي والدراسات النظرية والتطبيقية في مجال العلوم الإنسانية نحو تأطير نظرية اجتماعية مقبولة لتفسير ظواهر التغير والتطور التي يعيشها مجتمعنا.. أتمنى أن نسأل لماذا نجد أنفسنا عاجزين في فهم الأجيال الناشئة ومتطلباتها النفسية والاجتماعية؟ أليس سبب ذلك ضعف برامج العلوم الإنسانية لدينا؟ وبالتالي أليس الأولى أن نسأل عن سبب ضعف تلك العلوم بحثاً وتعليماً وتطبيقاً في بلادنا؟ أليس الأولى دراسة السبل التي تسهم في تطوير جودة تلك البرامج بدلاً من الإلغاء التام أو عدم الاهتمام بها تماماً؟

أكرر بأن جزءاً من مشكلتنا الرئيسية في الوقت الراهن ليس فقط في تأخرنا التقني أو العلمي وإنما تأخرنا في مجال العلوم الإنسانية وعدم قدرتنا على تطوير ودراسة بيئتنا الإجتماعية ضمن سياقاتها الحضارية والاجتماعية والإدارية المختلفة، وبالتالي آن الأوان للبحث عن مسببات تخلف العلوم الإنسانية محلياً، بدلاً من مجرد كيل الاتهامات والمطالبة بالاجتثاث، كحيلة المتطرف في التعامل مع الأمور التي يعجز عن التعامل معها بشكل متزن وعادل ومحايد.

أضف تعليق