كيف ستكون الانترنت في عصر النانوتك؟

    * أعلن في البدء بعدم تحبيذ استخدام مصطلح أعجمي في عنوان المقال ولكن عذري هو أنني سأتطرق إلى ما يعرف في اللغة الانجليزية بـ Nanotecnology ولست أعلم الترجمة أو المصطلح العربي الدقيق المقابل لذلك، والتقنية النانوميترية أو النانوتك تعتبر من أحدث التقنيات التي ربما تجعلنا مستقبلاً نعتبر لاحقة (الدوت كوم) التي تعودناها في الانترنت مصطلحاً قديماً مقارنة بالنانوتك، أو ربما تضاف لاحقة جديدة لعناوين الانترنت تميز (السيرفر) المعتمد على تقنية النانوتك من ذلك القديم الكلاسيكي المعتمد على سلك التلفون والبروكسي العادي، حيث يزعم أن النانوتك لن تقل أهمية عن ثورة الانترنت أو ثورة الجينات أو غيرها من التطورات والاكتشافات العلمية الحديثة التي أسهمت وتسهم في التطور التقني العالمي وهذا المصطلح، النانوتك، يأتي من كلمة Nanometer وتعني جزءاً من البليون من السنتيمتر، ودقة الصغر هذه هي ما جعلني أتجنب استخدام وصف التكنولوجيا الدقيقة فوصف الدقيقة ربما لا يفي بدقة صغر هذه التقنية التي تعمل على مستويات صغيرة جداً جداً حيث قطر النانومتر الواحد يقل في حجمه عن قطر شعرة الإنسان بحوالي ثمانين مرة، وتبشر التقنية النانوميترية بفتوحات علمية وتقنية عظيمة في كثير من المجالات الطبية والمعلوماتية أو الاتصال وتصنيع المواد وغيرها، وتتسابق الدول الصناعية الكبرى حالياً على تطوير هذه التقنية وكل يأمل بأن يكون له السبق في احتكار براءات الاختراع والتسويق والتصنيع.. الخ حتى ان الحكومة الأمريكية ضخت مؤخراً ما يقارب نصف بليون دولار لتطوير أبحاث النانوتك وهو مبلغ كبير جداً إذا ما علمنا بأن شركات القطاع الخاص ربما تضخ مثل هذا المبلغ أو أضعافه في سبيل تطوير البحث العلمي في هذا المجال.. وموضوع النانوتك تحول من مجرد مشروع بحثي فردي ليصبح علماً وتقنية تدرس حتى أنه أصبح علماً يدرس في الجامعات، حيث بادرت جامعة تورنتو بكندا لتكون أول جامعة تطرح برنامجاً جامعياً على مستوى البكالوريوس لتدريس تقنية النانوتك، والعديد من الجامعات ومراكز البحث العالمية تبنت التخصص ضمن برامج الدراسات العليا بها، ويرى البعض أن توجه الشركات الكبرى نحو البحث والتطوير في مجال النانوتك، مصدره انخفاض الاستثمار وانخفاض أسواق الأسهم العاملة في شركات المعلوماتية والانترنت، أو ربما أن الاستثمار في التقنيات الجديدة مثل النانوتك هي ما أدت إلى تدني أسهم الانترنت، والإحساس بأن التقنيات الحديثة ستكون أحد المناجم الاقتصادية المستقبلية كما كانت الانترنت سيدة الساحة خلال عقد السنوات الأخير.

يعتبر ريتشارد سمولي Richard Samalley الحائز على جائزة نوبل لعام 1996م وزملاؤه بجامعة رايس أول من لفت الانتباه إلى النانوتك حيث كانت جائزة نوبل مقابل اكتشاف كرات مصنوعة من ستين ذرة كربون أطلق عليها Buckminsterfullerene وتدعى حالياً من باب الاختصار كريات البكي Buckyballs وهذه الكريات هي أبرز أسرار تقنية النانوتك وستشكل المكونات الرئيسية للألياف البصرية وللمواد وللأدوية الحديثة وغيرها.

رغم الصعوبة في فصل الذرات أو الكريات تلك المتناهية الدقة قبل تركيبها معاً حسب ما يراد تصنيعه أو تطويره، إلا أن التركيز التقني الحديث يسير وفق خطط حثيثة نحو صناعة ألياف أو أوعية كربونية نحيفة جداً بحيث تسمح بمرور الذرات التي تشكل الملفات خلالها، وإذا نجحت هذه الخطوة على المستوى التجاري.. وهو ما يعتقده الباحثون في مجال النانوتك، فإنه سيمكن ايجاد أوعية صغيرة جداً جداً جداً (تقاس بالنانومتر وهو جزء من البليون من السنتيمتر)، ليس فقط صغيرة بل قوية بشكل يفوق جميع المعادن المعروفة، فعلى سبيل المثال نجد أن الغرام الواحد من هذه الألياف أو الأنابيب الكربونية المتناهية الصغر يفوق في قوته نفس الوزن من الصلب بمقدار ستين مرة، واضافة إلى قوتها فتتميز بخصائص توصيل كهربائية متميزة جداً يوفرها لها تركيبها وخواصها الدقيقة، وتتسابق الشركات حالياً حول تصنيع هذه الألياف الكربونية بأصغر حجم ممكن رغم كلفة وصعوبة ذلك في الوقت الراهن حيث يمكن انتاج 25غراماً فقط في اليوم الواحد من هذه المواد المستحدثة مقابل انتاج أطنان من الصلب أو الحديد في اليوم، وبالرغم من ذلك فإن استخدام النانوتك يتوقع أن يحدث صورة في صناعة المواد، مما جعل جهات حيوية مثل وزارة الدفاع الأمريكية أو وزارة الطاقة أو وكالة الفضاء وغيرها تتبنى دعم البحث والصناعة في هذا المجال.. فيكفي أن نتصور كيف سيكون حجم كيابل وألياف الاتصالات وكيف سيكون حجم الخلايا الالكترونية مع تبني هذه التكنولوجيا، وكيف أن أنبوباً صغيراً لا يتجاوز قطره جزءاً من مقاس شعرة واحدة من شعر الإنسان يمكن أن ينقل ملفات ضخمة من المعلومات والبيانات المختلفة من مكان إلى آخر.. هذا ما يبحثه المتخصصون في معامل النانوتك حيث يعكفون على تطوير شبكات ومراكز اتصالات يتم تطويرها تحت المجاهر الالكترونية الدقيقة جداً، والهدف ليس فقط في الحصول على حجم أصغر من تلك الشبكات بل والحصول على سرعة فائقة تحسب بالنانومتر (أي بجزء من البليون من الثانية) فهل يمكن تخيل انتقال المعلومة من أصقاع سيبيريا إلى قلب الجزيرة العربية خلال جزء من المليون من الثانية..؟! هذا ما تراهن عليه شركات تضخ أموالاً ضخمة في سبيل تطوير تقنيات النانوتك مثل شركة كاربون نانوتك ـ Carbon Nanotech ـ التي تستثمر ما لا يقل عن خمسة عشر مليون دولار في هذا المجال.

هذه ليست مجرد تخيلات علمية فلقد عرضت إحدى الشركات المعنية في هذا المجال في مؤتمر عني بتقنية النانوتك في شهر ابريل الماضي، وتحت المجاهر الالكترونية البالغة التعقيد والدقة، شكلاً لآلة جيتار بُني وفق تقنية النانوتك، حجمه لم يزد عن حجم كرية دم حمراء واحدة، وقد كان أبرز المباحث الرئىسية في ذلك المؤتمر متركزاً على تقنيات المجاهر الالكترونية والضوئية البالغة الدقة والتي تسمح بتطوير العمل في تقنية النانوتك، أي أن هذه التقنية يتم انجازها تحت المجاهر الضوئية والالكترونية الدقيقة، وليست تحت نظر العين المجردة.

التقدم الذي تبشر به تقنية النانوتك لا ينحصر في تصنيع المواد والالكترونيات بل يمتد إلى المجالات الطبية والصحية والبيولوجية والكيميائية، والتقدم هنا ليس فقط في انتاج موازين حساسة ودقيقة لقياس المواد حتى جزء أو أجزاء من البليون، ولكن لأنها ستسهم في انتاج دواء أقل سُميّة وربما تسهم في الوصول إلى الخلية السرطانية على سبيل المثال والتخلص منها دون المساس بالخلايا المجاورة، ويمكن ادخال مواد جينية إلى الخلية دون إثارة رد الفعل المناعي ضد هذا التدخل، وربما تسمح بالدخول إلى مجرى الدم بشكل غير مؤذ وغير محسوس تحت المجاهر المخصصة لذلك، وبالتأكيد في عالم البحث الجيني الذي يشهد تطوراً مذهلاً ستسارع تقنية النانوتك في اكتشاف الجينات والبروتينات والتحكم فيها وعزلها بشكل دقيق وفعال، أو كما يأمل السيد (مونتماقنو) أحد باحثي وكالة الفضاء الأمريكية ناسا بأن يسمح بإيجاد خلايا صناعية على المستوى الدقيق تحل محل الخلايا التالفة أو المريضة تماماً كما يوجد الطرف الصناعي ليحل محل الطرف المبتور أو المفصل الصناعي محل المفصل المريض أو التالف ولكن على مستوى الخلايا الدقيق.. بل لعل ثورة الجينات واكتشافاتها تتسارع في ظل تقنية النانوتك، بشكل يؤدي للاعتقاد بأن تقنية النانوتك هي المدخل الرئيسي للتطور الحاصل والذي يحصل في مجال ثورة الجينات الحالية والمتمثلة في اكتشاف وعزل الجينات والبروتينات المختلفة، وعلى ضوء ذلك لم تراهن شركات المعلومات فقط على النانوتك بل دخلت في هذا المجال بقوة شركات تصنيع الأدوية والشركات التي تعمل في مجال تطوير خريطة الجينوم وفي علوم البيولوجيا بصفة عامة، وهذا ما يجعل شركة طيبة كشركة كونتم دوف تستثمر ما يقارب ثمانية وثلاثين مليون دولار أمريكي (ما يزيد على المائة مليون ريال) في مجال الأبحاث والتطوير ذات العلاقة بالنانوتك.

طبعاً يظل البحث العلمي قائماً في هذه المجالات ويتوقع أن تمر عدة أعوام قبل إعلان توفر هذه التقنيات بشكل تجاري واسع، رغم أن تسارع الاكتشافات في العلوم الحديثة يضعنا في صعوبة التكهن بالبعد الزمني ولكن يهمنا أن نسابق على فهم التقنيات الحديثة والتنبؤ بها والتعرف على استخداماتها وطريقة عملها عن قرب، قبل أن نفاجأ بوجودها حقيقة قائمة، ونخشى تكرار التجارب المريرة السابقة في تبنينا الانترنت وغيرها من التقنيات الحديثة التي نحاول فك طلاسمها حالياً بينما العالم الآخر بدأ يلفظها ويتحدث عن تقنيات النانوتك وغيرها من التقنيات الجديدة، ولنتعلم من حكمة رئىس شركة موترولا، هيربرت قورونكين، عندما سأل عن سبب عنايتهم وانفاقهم الكبير في الأبحاث المتعلقة بالنانوتك، فأجاب بأننا نسعى لنكون من ضمن المكتشفين والمخترعين لتقنيات وتطبيقات النانوتك، وإن لم نتمكن من ذلك، فليكن هدفنا الثاني هو القدرة على العمل في عالم جديد يمكن أن تسيطر عليه هذه التقنية.

**

يمكن لمن رغب في معرفة بعض المراجع عن تقنية النانوتك التواصل عبر البريد الالكتروني، كما أن مجرد البحث عن الكلمة في قواعد البحث الالكترونية سيظهر عشرات المواقع والمواضيع ذات العلاقة..

**

صدى:

“نود إفادتكم بأن لدى مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون مجلس أبحاث لإقرار الأبحاث العلمية من الناحية العلمية..”

د. علي الراجحي، استشاري جراحة وطب العيون بمستشفى الملك خالد التخصصي للعيون تعقيباً على مقالي بعنوان “القسم الطبي وأخلاقيات البحث”.

“الناس هنا ليس لديهم القدرة على القراءة ثم المناقشة والتعليق، لأنهم مصابون بحالة نفسية اجتماعية.. وليس هناك أمل في التغيير أو التطوير، ما لم يكن هناك تدخل علاجي نفسي اجتماعي سلوكي مخصص لهذه الحالة المتسمة بالاحباط، القلق، فقدان الثقة بالقدرات الشخصية والجماعية، وعدم وضوح الأهداف ومعانيها، ولست أدري إن كنا قادرين على ايجاد وتقبل التدخل العلاجي أم لا.. والمزعج أنها حالة يتم توارثها وانتقالها بشكل كبير ضمن أعضاء هيئة التدريس بالجامعات السعودية بصفة عامة..”.

عضو هيئة تدريس ـ جامعة الملك فيصل

تعقيباً على الدعوة للحوار التي كررتها في أكثر من مقال سابق

أضف تعليق