كليات الطب الجديدة: البدايات الصعبة

تذكروا بأن استكمال تشغيل المستشفى الجامعي بجدة، وإنشاء مستشفى جامعي بالدمام سيعني امكانية قبول مزيد من الطلاب بطب الدمام وجدة، وهذا ما نبحث عنه بزيادة عدد الكليات

صدرت الموافقات السامية مؤخراً على التوسع في التعليم الطبي، حيث تمت الموافقة على إنشاء كليات طبية جديدة في كل من المدينة المنورة، جازان، والهفوف، وقد حظي ذلك بالتقدير، كونه يهدف الى سد العجز الحاصل في الكوادر الطبية السعودية، واتاحة مزيد من فرص العمل والتعليم، في ظل توافر مؤشرات واضحة تستوجب ذلك التوسع. بعيداً عن الاحتفالية بهذه الخطوات، يأتي السؤال، محور هذا المقال، عن مدى تهيؤ الجامعات واستعداداتها التي أنيط بها مهام افتتاح تلك الكليات للقيام بهذا العمل، وكيف نساعدها على الوفاء بالتزاماتها تجاه تلك الكليات؟ والمقصود بالافتتاح ليس مجرد اعلان كلية أو تعيين عميد لها، بقدر مايعني استكمال متطلباتها وقدرتها على السير في خطوات البداية الواثقة والقوية، التي تضمن لها الاستمرارية القوية، وبالذات ونحن نتحدث عن كليات طبية، يتطلب انشاؤها كثيراً من الجهد والعمل والموارد، كليات ستخرج أناساً يعنون بصحتنا وصحة أبنائنا، صحتنا التي لا نرضى بالاستهتار بها بتخريج غير الأكفاء من الكوادر الطبية. وبالتأكيد تأتي مسؤولية طرح السؤال من مبدأ الحرص بأن لا تتعثر الكليات الطبية الجديدة في خطواتها الأول، حيث التعثر في الخطوة الأولى قد يكلف الاعاقة الدائمة..

بكل شجاعة تحملت جامعتا الملك فيصل والملك عبدالعزيز عبء القيام بإنشاء الكليات الطبية الجديدة في كل من الهفوف والمدينة وجازان، وأقول بكل شجاعة لأن الجامعتين تعانيان بشكل كبير في نقص مواردهما المالية وفي عدم اكتمال بنيتهما الانشائية، بشكل يجعل تحملهما إنشاء كليتي طب مغامرة ادارية، نتمنى أن يحسبها التاريخ للقائمين عليها وليس ضدهم في المستقبل، ليس ذلك فقط بل لأنه ولأول مرة تتوسع جامعة بإنشاء أكثر من كلية طبية وصحية في وقت متزامن، وبإمكانات محدودة كتلك التي تملكها جامعتا الملك فيصل والملك عبدالعزيز. لإيضاح هذا الجانب أستعرض بعض معاناة الجامعتين، ليبقى بعد ذلك لكم الحكم على ما تحلت به الجامعتان من شجاعة في سبيل التجاوب مع المطالب الوطنية بالتوسع في التعليم الطبي.

كلفت جامعة الملك فيصل بإنشاء كليتي طب وصيدلة بالأحساء، ولديها قبل ذلك موافقات سامية سابقة صدرت منذ عام 1415هـ بإنشاء كليتي علوم طبية تطبيقية وطب أسنان بمقرها بالدمام، وحتى الأن بعد أكثر من سبع سنوات، لم تتمكن من افتتاح كلية طب الأسنان ولم تستكمل إنشاء كلية العلوم الطبية التطبيقية، التي لم يبدأ بها سوى قسمين، اضافة الى قسم تم تحويل مرجعيته من كلية الطب الى العلوم الطبية، من أصل أكثر من عشرة أقسام صدرت موافقة مقام المجلس الأعلى للتعليم العالي بإنشائها، وقد قامت كلية العلوم الطبية تلك وفي ظل عدم وجود مقر لها بالحي الجامعي، الى الاستعانة بشقق اسكان مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر كمقر لفصولها الدراسية.. ليس ذلك فقط بل ان كلية الطب بجامعة الملك فيصل بالدمام، لم ينشأ مستشفاها الجامعي الخاص بها بعد، وهو ضمن مخططات إنشاء الحي الجامعي منذ ما يزيد على عشرين عاماً، والمستشفى الجامعي الحالي هو أحد مستشفيات وزارة الصحة التي تم تالاستعانة بها، بغرض مؤقت يبدو أنه تحول الى دائم، وهو على كل حال لم يعد قادراً على الوفاء بالمهام المناطة به وبالذات المهام التدريبية لطلاب وطالبات كليتي الطب والعلوم الطبية التطبيقية، مما حدى بالقائمين عليه الى تحويل بعض شقق اسكانه الى قاعات دراسية وتدريبية… أمام هذا الوضع أتساءل ألا تستحق جامعة الملك فيصل دعماً خاصاً واستثناء خاصاً في اقرار مشروعاتها ودعم ميزانياتها وبالذات في مجال الإنشاءات وتوفير الوظائف المناسبة، بل وتوفير المرونة الكافية في اختيار الكفاءات المحلية والأجنبية المناسبة للعمل بالكليات الطبية؟ أليس الأولى دعمها بشكل عاجل واستثنائي لاستكمال البنية التحتية والمتطلبات الرئيسية للكليات القائمة والتي في طور الإنشاء كـكلية العلوم الطبية، قبل توجيه مزيد من الضغط عليها بافتتاح كليات علمية وطبية جديدة كتلك المزمع إنشاؤها بالأحساء؟

جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، كلفت هي الأخرى بإنشاء كليتي طب في كل من المدينة المنورة وجازان، ووضعها ليس بأحسن حالاً من جامعة الملك فيصل، ففضلاً عن المغامرة بإنشاء كليتين في منطقتين مختلفتين متباعدتين، فاننا نعلم بأن مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز الجامعي تم إنشاؤه قبل عدة سنوات، وحتى حينه لم تتمكن الجامعة من استكمال تشغيله، رغم حاجة الجامعة وحاجة المجتمع لخدمات ذلك المستشفى، التعليمية والخدماتية والبحثية، كما أن كلية الصيدلة هي الأخرى بجدة لم يكتمل إنشاؤها.

في كلية الطب يدرس الطالب في المرحلة الأولى مواد علمية أساسية، كالكيمياء والفيزياء والرياضيات والأحياء وغيرها من المواد العلمية، ثم يتبع ذلك بدراسة ما يعرف بالعلوم ما قبل السريرية مثل التشريح ووظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية.. ثم بعد ذلك ينتقل الى مراحل التطبيق السريرية في المستشفى الجامعي.. بمعنى أن قيام كلية الطب يتطلب تجهيزات لكلية علوم وكلية طب ومستشفى مناسب للتطبيق العملي، فهل تتوافر هذه التجهيزات بالأحساء أو جازان أو المدينة؟ هل مستشفى الملك فهد بالمدينة المنورة أو مستشفى الملك فهد بالهفوف أو مستشفى الملك فهد بجازان وهي كبريات المستشفيات بتلك المناطق مهيأة لتكون مقرات تدريب طبية، وهي المتواضعة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في تقديم خدمات صحية أساسية تليق بما يحتاجه أبناء تلك المناطق؟.

إذا كانت جامعة الملك فيصل لم تتمكن خلال ربع قرن من إنشاء مستشفاها الجامعي فمتى ستتمكن من تجهيز معامل كلية علوم ومعامل كلية طب ومن إنشاء مستشفى جامعي أو اعادة تأهيل مستشفيات الهفوف، لتكون مقار تدريب مناسبة لكلية الطب الجديدة؟ اذا كانت جامعة الملك عبدالعزيز لم تتمكن من استكمال تشغيل مستشفاها الجامعي بجدة، فهل ستتمكن من تجهيز كليات وإنشاء مستشفيات جامعية، أو تأهيل مستشفيات تعليمية بالمدينة وجازان في نفس الفترة الزمنية؟ هل تهمل الجامعتان بقية الكليات والمشاريع الصحية الجامعية بجدة والدمام ونضعها على الرف دون استكمال لأجل البدء في الكليات الطبية الجديدة؟

تذكروا بأن استكمال تشغيل المستشفى الجامعي بجدة، وإنشاء مستشفى جامعي بالدمام سيعني امكانية قبول مزيد من الطلاب بطب الدمام وجدة، وهذا ما نبحث عنه بزيادة عدد الكليات. أيضاً تذكروا بأن النقص في الكوادر الصحية يشمل كذلك كوادر العلوم الطبية والصيدلة والأسنان وليس الأطباء فقط، ورغم ذلك أكرر عدم اعتراضي على قيام كليات طبية، بل أراه توجهاً ايجابياً، شريطة توفير الامكانات اللازمة لذلك وشريطة أن لا يأتي على حساب مشاريع أخرى تصب في نفس التوجه، وبدلاً من ذلك أسأل: ماذا نحن فاعلون لانقاذ مشاريع التوسع في التعليم الطبي من الفشل؟ ما ذا قدمنا من دعم لجامعة الملك فيصل لاستكمال الكليات الطبية بالدمام، هل ندفعها للتوسع بخطوات عرجاء في مشاريع تأسيس أربع كليات طبية في وقت واحد؟ اقدام جامعة الملك فيصل على تبني تأسيس أربع كليات طبية في وقت واحد (كليتا الطب والصيدلة بالأحساء وكليتا العلوم الطبية وطب الأسنان بالدمام) يعني توسع الجامعة بنسبة تفوق ثلثي حجمها الحالي، فهل زادت ميزانية الجامعة بنسبة تتوازى مع ذلك التوسع؟ هل زادت نسبة التوظيف بنسبة توازي ذلك التوسع؟ ومثل ذلك ينطبق على جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ما إمكاناتها وخططها في ماهي مقدمة عليه من توسعات؟ تقديم الخدمات الطبية أمر مكلف جداً، وتأسيس الكليات الطبية هو الآخر مكلف، وتأسيس كلية طب يعني اضافة الى الكلية ادارة وتشغيل مستشفى يقدم خدماته للجميع، فكم هي كلفة تشغيل مستشفى عام تعليمي ؟

لا أريد التوسع في رسم المعاناة التي تصاحب التوسع في التعليم الطبي والصحي ببلادنا، ولا أريد في هذا المقام طرح الحلول النظرية في كيفية تمويل المشاريع التعليمية الطبية الجديدة، وفي كيفية تأهيل المستشفيات القائمة لتصبح مستشفيات تعليمية، وفي كيفية توفير الكفاءات البشرية المتميزة لخدمة الكليات الجديدة ومستشفياتها، فتلك مسؤولية الجهات المعنية بالموضوع، وهي جهات نتمنى أن تستشعر مسؤوليتها بكل شجاعة. أما نحن فمسؤولينا كعاملين في المجال الصحي تحتم علينا الحرص على تميز المستويات الأكاديمية والمهنية التي ستقدمها الكليات الجديدة، وعدم التهاون في توجيه الملاحظة متى دعت الحاجة الى ذلك..

هذا الوضع يجعلني أعيد سؤالاً سبق طرحه أكثر من مرة: ترى ما المعايير التي نتبناها لإنشاء كليات جديدة؟ ألا يفترض أن يكون أدنى تلك المعايير هو توافر الإمكانات، هل توافرت الإمكانات لإنشاء الكليات الجديدة؟ هل لدينا اجابة عن مسببات عدم استكمال إنشاء الأقسام والكليات التي أقرت بجامعة الملك فيصل منذ عدة سنوات، وعن مسببات عدم اكتمال تشغيل كلية الصيدلة بجدة ومستشفى جامعة الملك عبدالعزيز منذ سنوات؟ ألا تشترط لائحة إنشاء الكليات الأهلية توافر مبان ومنشآت ذات مواصفات محددة يجب أن تلتزم بها تلك الكليات، فكيف نرضى للجامعة الحكومية بتدريس طلاب كلية طبية في شقق سكنية، ليست مهيأة للعملية الأكاديمية والتدريبية؟

لست ضد إنشاء كليات طب جديدة، ولست ضد سعودة الوظائف الطبية، ولست ضد تطور التعليم في الأحساء والمدينة والقصيم والطائف وجازان والباحة وحائل وجميع مناطق بلادي، ولكنني أطالب بتوفير عوامل النجاح لتلك الكليات، واعتماد مبدأ التطوير المبني على خطط موضوعية وعلمية ناضجة وواضحة، خطط يصاحبها الدعم والتمويل اللازم، والا فماذا يعني التخطيط والاشراف حينما لا نستطيع وضع معايير واضحة لدعم الجامعات، بشكل عادل لجميع الجامعات كل وفق جهوده ومخرجاته الأكاديمية؟

أضف تعليق