أخطار كثيرة تهدد الدول العربية والإسلامية ولكن أخطرها وأشدها فتكاً، بل منبع الشرر الذي منه ينفذ الأعداء وتبنى عليه كثير من الأخطار، هو ذلك الخطر الداخلي الذي يهدد بتقويض الوحدة الداخلية للعديد من الدول، ومن شدة التلويح والتهديد يهز كيان الوحدة الداخلية يخيل إلينا أن غالبية الدول العربية والإسلامية قابعة فوق براكين قابلة للثوران في أي وقت.. بكل أسف فإن الأعداء هم من يستغل تلك الأخطار الخامدة والثائرة منها بشكل معلن أو غير معلن عبر التهديد والابتزاز الذي قد يصل حد الفعل في بعض الحالات، سواء الابتزاز الرسمي العلني أو الاستخباراتي السري أو الابتزاز الإعلامي.. هذا القول يؤكده ما حدث ويحدث في أندونيسيا، أفغانستان، العراق والسودان وغيرها من الدول، فكيف يحدث ذلك وكيف يمكن معالجته؟
تهديد الوحدة الوطنية يبدأ عادة بزرع بذور الفتنة داخل المجتمع وحيث ان غالبية المجتمعات العربية تضم فئات وطوائف وأقليات وقبائل وعشائر يصبح من السهل اللعب على الفروقات القائمة بينها وشحنها أو شحن بعضها بطرق مختلفة لتكون مهيأة لتلبية طموحات الآخرين في تفتيت الوحدة الوطنية متى تمت الحاجة إلى ذلك، والواقع المر هو أن ذلك يحدث بمرأى ومسمع من القيادات الرسمية التي نجد بعضها تحيا وتعيش على هذا التناقض ضاربة بعرض الحائط معنى ترسيخ الوحدة والمساواة والعدالة الوطنية.. بل ان البعض يبني استراتيجياته ومخططاته للسيطرة على الشعوب ومدخراتها وفق قاعدة التمييز العرقي والطائفي والعشائري والقبلي والجهوي والديني، كل حسب لهجته ومفهومه في تسمية الأشياء.
الآلة الإعلامية الغربية وتحديداً الأمريكية أصبحت تركز على منطقتنا بشكل واضح، ليس الآلة الإعلامية فقط بل انه ظهرت آراء تصدر داخل أروقة جهات رسمية أمريكية كالمجالس النيابية أو وزارة الدفاع وغيرها، تفضح بعض من طرق تفكير الغرب ونظرتهم لنا.. ومحاولاتهم الفاشلة في وضعنا في بوتقة تصنيف مشابهة لدول جوار تهددها وتمزقها الصراعات الطائفية والعرقية الداخلية، ومع الادراك بأن تلك الآراء قد لا تحمل الصبغة الرسمية وبالتالي سارع بعض المسؤولين إلى نفيها، فإنه بالتمعن في كيفية صنع القرار الأمريكي نجد تلك الآراء مقلقة لأن صنع القرار في السياسة الأمريكية لا يبدأ في العادة من الأعلى عن طريق الجهاز الحكومي وإنما يبدأ من القاعدة عن طريق المفكرين والمحللين ومن ثم ينتقل ليصبح دراسات موثقة يستعين بها صانعو القرار، وصانع القرار في الولايات المتحدة لا يملك أن يصنع القرار بناء على رأيه وإنما بناء على ما يقدمه المستشارون وما تقدمه المعاهد والمؤسسات الفكرية، وكل ما يملكه المسؤول التنفيذي هو تبني وسيلة التنفيذ الملائمة واضفاء النزعة الشخصية على القرار، وهذا أحد أسرار تمكن جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة من القرار السياسي، فهي تعلم آلية صنع القرار ومنابعه وبالتالي هي تركز على ذلك وتعلم أن السياسي الأمريكي في النهاية نتاج بيئة تؤمن بضرورة استناد القرار إلى مبررات علمية وإعلامية تصوغها مراكز البحث والدراسة والإعلام.
ولأننا نعلم بأن الأفكار الشريرة قد تخمد وتبقى في قمقمها فترة من الزمن إلا أنها تبقى أفكاراً يمكن إعادة تدويرها مستقبلاً، كلما عنَّ لصانعها إعادة الابتزاز، إن الرد عليها لا يتم باخمادها مؤقتاً وإنما بالتحصن ضدها عن طريق زيادة فاعلية الجبهة الداخلية وزيادة مكتسبات الوحدة الوطنية.. نحن لسنا أفغانستان ولا السودان ولا العراق ولدينا بحمد الله جبهة داخلية لا تحوي الفروقات الطائفية المشابهة لما هو موجود في تلك الدول.. رغم ذلك فلابد لنا من الحرص على غلق جميع منافذ الشر المحتملة لتهديد وحدتنا وكياننا الوطني الموحد.
أنا مطمئن إلى ترسخ وحدتنا الوطنية ولست هنا أجادل في ذلك أو أشكك فيه، تلك الوحدة التي وضع لبنتها الباني الرائد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ونمت من بعده برعاية أبنائه الكرام قادة بلادنا الطاهرة، وأرفض الترهات الإعلامية المعادية في هذا الشأن، ولكن هل ننتظر حتى تنتقل بعض الآراء الحاقدة التي تتداولها بعض الأوساط الإعلامية وغير الإعلامية الغربية وبالذات الأمريكية في هذا الشأن، لتصبح عقيدة سياسية لدى صانع القرار السياسي الأمريكي؟ هل يكفي ما يقدمه المسؤول الأمريكي من تطمينات في هذا الشأن؟ هل ايجاد حملة إعلامية معادية احياناً لا يقرأها سوانا ضد الولايات المتحدة كرد على تلك الترهات يلغي احتماليات خطر تلك المقولات؟
نحن بحاجة أولاً وآخراً إلى الصراحة والمكاشفة وتبني أسلوب الحوار المتأني القابل والمحتوي لمختلف وجهات النظر، ودون ذلك سنظل نحاور ونناور ولكن دون الاقتراب من الأهداف الحقيقية، فما يجري من حوار محلي تنقصه الصراحة ويعلوه الشك وهناك مصادرات كبير للرأي الآخر، وهي وللحق ليست بالضرورة مصادرات رسمية كما يتصور البعض بل ان جلها مصادرات تنبع من فئات لا ترى سوى من خلال منظار يضيق في أحيان كثيرة بالرأي الآخر.. حوارنا المحلي يحدث خلف الأبواب المغلقة وفي المجالس الخاصة، وآن الأوان لأن تتفاعل مؤسسات البحث والدراسات والثقافة وعلى رأسها المؤسسات الأكاديمية لتفعيل الحوار المنهجي ورعايته للوصول إلى تأسيس منهجي تبنى عليه السياسات المحلية والخارجية.. وسائل الإعلام عليها مسؤولية في ذلك ولكن يجب الادراك بأن الإعلام بحاجة إلى مادة حقيقية وقيمة تغذيه وتغنيه عن اللهث وراء المعلومات المتوفرة من الخارج ومن تبني الآراء السطحية السيارة، وعليه نؤكد الحاجة إلى تفعيل الدراسات الفكرية الجادة المبنية على مبادئ الحرية في طرح الرأي وفي صياغته وفق أسس موضوعية وعلمية.
من خلال مراجعة تاريخ الجزيرة العربية ومناطق الجوار والمنطقة العربية بصفة عامة، يمكن القول ان أبرز الأخطار التي هددت وقوضت بعض الكيانات، كما أشرت أعلاه، هي أخطار داخلية تتمثل في القبلية والمناطقية والعشائرية والجهوية والطائفية، وما شابهها من تسميات في مختلف الدول العربية، ثم يليها عداءات وصراعات الجوار، وليس الأعداء البعيدين الذين ظلوا يديرون بعض تلك الصراعات المحلية والاقليمية لصالحهم.. فحين يصبح الولاء للقبيلة أكبر من الولاء للوطن ككل، يصبح هناك خطر، وحين يصبح الولاء للطائفة أو للمنطقة الجغرافية أكبر من الولاء للوطن ككل، يصبح هناك خطر من بث الفرقة والتفرقة.
ليست لدينا دراسات اجتماعية وسياسية وإدارية جادة في هذا الموضوع، لغياب مؤسسات الفكر والدراسة عن هذا الموضوع أو لتغييبها بعمد أو غير عمد على اعتبار ان مفردات القبلية والمناطقية والتفرقة والطبقية مفردات حساسة يجب الابتعاد عن الخوض فيه خشية استغلالها من قبل البعض كمطية للتفريق، ولكن رأيي الخاص بأن المدنية التي نعيشها والتطور التنموي الذي نعيشه ربما أسهما في تقليص القبلية بمعناها العصبي المتزمت، ولكن هناك من بدأ في اضافة أو استبدال القبلية بالمناطقية، وهذا خطر لا يقل تأثيره عن القبلية، حينما يأتي سابقاً لمبدأ الكفاءة والأفضلية المهنية والعلمية وحينما يتغلغل داخل الأجهزة الرسمية والأهلية وداخل الفعل الإداري و التنظيمي المحلي.
دعونا نجفف منابع الفرقة المحتملة فحينها لن يجد الناعقون مجالاً لتفريق وحدتنا أو النيل منها، حينها لن يختلف جنوبنا عن شمالنا وشرقنا عن غربنا ووسطنا عن أطرافنا.
القبلية جزء من تراثنا ولكن هل يمكن ايجاد جيل قادم يحمل الانتماء للوطن دون المسميات والوصمات القبلية؟ لماذا نحمل أسماء قبائلنا بديلاً لأسماء عوائلنا؟
لا يكفي فقط إلغاء مسمى القبيلة أو العشيرة من أسمائنا لنشعر بالانتماء لوطن واحد، ولكن يجدر بنا البحث في كيفية توحد الجنوبي مع الشمالي والشرقي مع الغربي والوسطي مع القادم من الأطراف في إطار أهداف وطنية بعيدة عن المناطقية والقبلية؟
هذه مهمة مراكز البحث لدراستها ومهمة جهات التطوير الإداري والتنموي لتوجيهها، ولكن أحد الأساليب الرئيسية التي أراها تأتي في التوحد خلف أهداف أكثر عملية، أهداف مهنية ومصلحية، أهداف يتطلب تطويرها تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني المبني على الجمعيات والاتحادات المهنية والخيرية والأهلية، لأن تشابك المصالح والمنافع المهنية والعملية يلغي الفروقات والحساسيات الاجتماعية ويقلصها إلى أدنى مستوياتها على المدى البعيد، ويحيل المنافسات إلى منافسات مهنية شريفة لأجل البناء لا يفرق فيها بين قبيلة وأخرى أو منطقة وأخرى أو فئة وأخرى وإنما بناء على الكفاءة والابداع العملي والتميز المهني.
يجب أن نعلم بأن أعداءنا حين يطلقون بالونات الاختبار تلك لا يقصدون اليوم وقد لا يتمكنون من تنفيذ مخططاتهم مهما أوتوا من قوة، في الحاضر أو المستقبل ولكنهم يمهدون لمكاسب سياسية آنية ومستقبلية عبر الابتزاز والضغط المباشر وغير المباشر.. نحن كذلك يجب ألا نحصر تفكيرنا في صعوبات اليوم وإنما نبني للمستقبل، نفكر في أخطار المستقبل ونتهيأ لصعوبات المستقبل، فالخطر ليس اقتصادياً فقط من احتماليات نضوب البترول أو تدني قيمته أو حتى الطمع فيه من قبل الأعداء وإنما الخطر الحقيقي يأتي حين يزرع الأعداء شتات الفرقة والتعصب داخل المجتمع، الخطر هو ألا نتمكن من التصحيح من الداخل فنتيح فرصة ليأتي الآخرون لاملاء شروط التصحيح علينا.
نحن بحاجة للتأمل والعمل على بناء المنهج التربوي والإداري الفعال الذي يقضي على المصادر المحتملة للفرقة، مع التأكيد بأن هذا القول لا يعني اتهام وطني وأهله الكرام بضيق الأفق وضعف الانتماء الوطني، حاشا لله فليس هذا القصد، وإنما نهدف إلى التحذير والتنبه من مصادر محتملة هي بحاجة أولاً إلى الدراسة والتقييم ومن ثم الانطلاق نحو التصحيح، من مبدأ المبادرة بالفعل وليس انتظار الفعل من الآخر ليكون جهدنا مجرد رد عليه.
حفظ الله بلادي وأهلها من كل شر.