لقد حوى نظام الضمان الصحي تفاصيل كثيرة ودقيقة يشكر القائمون على توفيرها بهذا الشكل، ومثل أي نظام لن تكتمل الصورة ويتضح الفرق بين الاطار النظري والعملي سوى بعد التطبيق الفعلي
صدرت مؤخراً لائحة الضمان الصحي، ومجرد صدور اللائحة بتلك التفاصيل يشفع للقائمين عليها بعض التأخير الحاصل إعدادها وإخراجها الى حيز الوجود، وسنكون على موعد بعد أسابيع مع التطبيق الفعلي للائحة، حسب ما نصت عليه الأنظمة، ما لم يحدث تأجيل أو تأخير مماثل لما حدث من تأخير في إصدار اللائحة. كتبت عدة مقالات عن التأمين الصحي أو الضمان الصحي، وبعض التصورات تجاهه قبل أكثر من ثلاث سنوات حينما صدر التوجيه السامي حينها بالبدء في ايجاد اللائحة وتشكيل مجلس الضمان الصحي، ولن أكرر ما كتبته، وإنما أعلق في هذا المقال بشكل سريع على بعض النقاط الواردة في لائحة الضمان الصحي.
آفة الأنظمة هي الاستثناءات وحينما تأتي الاستثناءات في النظام قبل تطبيقه فهذا يعني الادراك مسبقاً بضعف النظام، فالاستثناءات هنا تعني صراحة أو اشارة الى عدم شمولية النظام أو هي تعني عدم قدرة النظام في اخضاع الجميع تحت مظلته، وكلا التفسيرين يعيبان النظام ويضعانه في مأزق تنظيمي، يجعلنا نخشى أن تأتي مزيد من الاستثناءات بعد بدء التطبيق لنظام الضمان الصحي الخاص بالأجانب (استخدم تعبير التأمين الصحي كمرادف للضمان الصحي في بعض مواقع المقال).
أشار النظام الى استثناء الأجانب موظفي القطاع الحكومي من الخضوع تحت مضلة التأمين الصحي، المادة 3 فقرة 1، فإذا ماعلمنا بأن الأجانب العاملين في القطاعات الحكومية يشكلون نسبة كبيرة من عدد الأجانب بالمملكة، فإن ذلك يعني بأن النظام لن يطبق على كافة الأجانب، وحسب دندنة البعض فربما نرى مزيدا من الاستثناءات للعاملين في المناطق النائية أو العاملين في بعض المهن، كالمزارعين أو الخدم. تنص الأنظمة حالياً على عدم علاج الأجانب العاملين بالقطاع الخاص بالمستشفيات الحكومية، واستمرار استثناء موظفي الدولة الأجانب من الخضوع لنظام التأمين الصحي يعني بأن الحلم بأن يخفف نظام التأمين الصحي العبء عن كاهل المستشفيات الحكومية، لن يتحقق بالكامل، بل لن يتحقق سوى بشكل جزئي…
لقد استغرق إعداد النظام مايزيد عن ثلاث سنوات، فلماذا لم يتم خلال هذه الفترة مناقشة الوضع مع ديوان الخدمة المدنية ووزارة المالية لتتضمن عقود التوظيف الحكومية للأجانب بنوداً للتأمين الصحي للموظف وعائلته؟ ألسنا نتحدث عن نظام وطني شامل، اذاً لماذا لم تجر جميع الجهات المعنية دراساتها وتعدل نظمها لتتوافق مع النظام التأميني الصحي الجديد؟
الملاحظ بأن اللائحة لم تحدد مدى زمنيا يتم بموجبه تطبيق النظام على جميع الأجانب العاملين في القطاع الحكومي، رغم أن الأمر يمكن تحقيقه خلال عام بحيث يتم تضمين عقود العمل الجديدة ما يكفل التأمين الصحي للموظف الأجنبي ومن يعولهم وفق النظام، فهل يتم تدارك ذلك ومناقشته مع الجهات المعنية لنتمكن من تطبيق النظام بكل صرامة ووضوح ودون استثناءات تضعفه وتفتح ثغرات في تطبيقه نحن في غنى عنها؟
الاستثناء الثاني في نفس المادة الفقرة 2، مشابه لذلك ويشمل الموظفين من غير السعوديين العاملين لدى القطاع الخاص بموجب عقود عمل تنص على توفير العلاج الطبي في المرافق الصحية المؤهلة التابعة لصاحب العمل. لا أطالب بأحداث ارباك في العقود الحالية للموظفين، ولكن أتساءل لماذا لا يشترط أن يكون العلاج عبر وسيط تأميني حتى لأولئك الموظفين، ولا مانع أن يتم علاجهم بنفس المؤسسة التي يعملون بها وفق عقد تأميني صحي؟
إن هذا الاستثناء يفترض تكامل الخدمات الصحية في جميع المؤسسات الصحية ويفترض ان العقود تغطي خدمات علاجية مطابقة لما يشمله النظام التأميني، ولكن ماذا يحدث اذا كان الواقع غير ذلك؟ كيف نجبر المؤسسة على علاج موظفيها بمؤسسات صحية أخرى تتوفر لديها خدمات صحية مختلفة؟ كيف نضمن وفاء المؤسسات الصحية بتقديم خدمة علاجية ووقائية مشابهة لما نص عليه النظام من خدمات؟ لا أرى مبررا لهذا الاستثناء الا اذا كان يأتي مراعاة ومجاملة للقطاعات الصحية التي يمثلها أعضاء بالمجلس الأعلى للضمان الصحي؟!
الاستثناء الثالث هو عدم تطبيق معايير متماثلة على القطاعين الخاص والحكومي في مجال تقييم المراكز الصحية والاعتراف بها من قبل مجلس الضمان وفي مجال رسوم الاعتراف والتقييم..الخ فهل المستشفيات الحكومية فوق التقييم والاشراف، أم أنه الإدراك المسبق بأن تطبيق معايير الجودة والتقييم على المستشفيات الحكومية وبالذات مستشفيات الصحة سيكون نتيجته المسبقة معروفة: لم ينجح أحد؟!
يفترض بأن مجلس الضمان الصحي، جهة محايدة تتعامل مع الجميع وفق آلية واحدة بغض النظر عن المرجعية خاصة كانت أم حكومية، ونأمل أن تسهم معاييره بالارتقاء بجميع الخدمات الصحية، ونطالب بعدم التمييز بين مركز وآخر حكوميا كان أم خاصا سوى بالجودة واكتمال المعايير النظامية التي يضعها المجلس.
يشترط بأن يسجل أطباء المركز أو المستشفى المعترف به لتقديم الضمان الصحي، بالهيئة السعودية للتخصصات الصحية، والسؤال هنا هل سيطبق ذلك على الجميع أم المستشفيات الخاصة فقط، هناك مستشفيات حكومية كبرى بدأت في العمل وفق عقود تأمينية صحية، حتى قبل أن يصدر النظام وهي لاتسجل جميع أطباءها بالهيئة السعودية للتخصصات الصحية، فهل سيوقفها مجلس التأمين الصحي عن ابرام عقود التأمين الصحي، أم سيجبرها على تسجيل أطبائها بالهيئة، أم ستعطى استثناء وستظل فوق القانون كما فعلت وتفعل في مجال تعاملها مع نظام تسجيل الأطباء والعاملين بالقطاعات الصحية عبر الهيئة السعودية للتخصصات الصحية؟
لا أريد تسمية مستشفيات بذاتها فالهيئة السعودية للتخصصات الصحية لديها الخبر اليقين بذلك، ولكنها، أي الهيئة لم تستطع اجبارها على اتباع نظام التسجيل المهني الصحي للعاملين بها، وننتظر أن يكون نظام الضمان الصحي عوناً وسنداً للهيئة في تحقيق ما تصبو اليه باستكمال التسجيل المهني الصحي لكافة العاملين في المملكة بما فيهم العاملون في المستشفيات الكبرى وبما فيهم القادمون من أكبر الدول تقدما في المجال الطبي.
اذا لم يقم صاحب العمل بتسديد الرسوم المالية في وقتها لشركة التأمين، هل يكفي أن تبلغ شركة التـأمين مجلس الضمان حول الواقعة، حسب المادة 36؟ ما هي السبل لاجبار صاحب العمل على تسديد الرسوم المستحقة عليه في وقتها؟ على سبيل المثال هل سيتولى المجلس ابلاغ ادارة الجوازات بسحب الاقامة فوراً، أم ان العامل الأجنبي سيبقى دون تأمين لفترات قد تطول في ما بين أخذ ورد بين شركة التأمين وصاحب العمل ومجلس الضمان الصحي..الخ؟ نجد نظام الضمان الصحي حسب لائحته يجبر شركة التأمين بعدم رفض أي طلب لاجراء الضمان الصحي التعاوني الصحي طالما كان ذلك في حدود ملاءتها المالية.. لماذا لا يكون من حق شركات التأمين الصحية عدم التعامل مع المستفيدين أو جهات العمل ذات السجل السلبي في تسديد مستحقاتها وتعهداتها تجاه شركات التأمين؟ هل سيسمح لشركات التأمين برفع القسط التأميني على صاحب العمل غير الملتزم بالتسديد أو صاحب السجل السلبي؟ ألا يمكن أن يستغل صاحب العمل أو المعني بالتسديد هذه الفقرة فيتنصل من مسؤولياته؟
حدد النظام الرسوم المتعلقة باعتماد مقدمي الخدمات الصحية، المادة 54، ولكنه في فقرات أخرى يشير الى المقابل المادي ولا يحدده، كالاشارة في المادة 71الى المقابل المالي الذي يحصل عليه المجلس نظير دراسة اعفاء الجهات التي تمتلك مرافق طبية من التغطية التأمينية أو جزء منها، فهل يمكن تحديد ذلك او تحديد آلية تقديره؟
تشير المادة 57الى الغاء اعتماد المرفق الصحي اذا قامت وزارة الصحة بسحب ترخيص المرفق ويتعين على المجلس أن يشعر شركات التأمين كافة بذلك. مجلس الضمان الصحي جهة مستقلة عن وزارة الصحة، فما هي الآلية التي سيتم بموجبها التعرف على المراكز التي سحبت تراخيصها؟ هل سيتفضل المركز المسحوب ترخيصه بابلاغ المجلس بذلك؟ هل ستتفضل وزارة الصحة بالسماح للمجلس بالاطلاع على سجلات التراخيص بشكل مستمر، أم سينتظر المجلس حتى يقفل باب المركز الصحي المسحوب ترخيصه؟ هل هناك فترة زمنية أو مهلة بين سحب الترخيص وتطبيق إلغاء اعتماد المرفق الصحي وابلاغ شركات التأمين والزامها بتطبيق القرار، أم سيتم تطبيق القرار بشكل فوري وماذا تعني فوري هل هي بتاريخ سحب الترخيص أم بتاريخ اطلاع المجلس على ذلك أم تاريخ ابلاغ الشركات؟
لقد حوى نظام الضمان الصحي تفاصيل كثيرة ودقيقة يشكر القائمون على توفيرها بهذا الشكل، ومثل أي نظام لن تكتمل الصورة ويتضح الفرق بين الاطار النظري والعملي سوى بعد التطبيق الفعلي، والملاحظات أعلاه كانت قراءة سريعة لنص النظام والقراءة عادةً تضع افتراضات وتساؤلات آمل أن يتقبلها القائمون على نظام الضمان الصحي وأن يقروا بأننا نأمل الكثير من اقرار هذا النظام مما يتجاوز مجرد الاسهام في تخفيف العبء المادي عن الخدمات الصحية الحكومية، الى الارتقاء بالعمل الصحي والنظام الصحي بصفة عامة، والله الموفق.