فائض الميزانية: وجهة نظر

كان للتوجيهات الأخيرة بشأن صرف الفائض المتوقع في ميزانية هذا العام، صدى إيجابي لدى المواطن السعودي، حيث تمت الموازنة بين الاحتياجات الآنية وبين الإسهام في تسديد الدين العام وكلاهما أمران مهمان، حيث لم يكن من المناسب توجيه جميع الفائض نحو تسديد الدين العام ودون تلبية الاحتياجات الاجتماعية الراهنة، كما لم يكن مقبولاً من الناحية الاقتصادية تجاهل الدين العام وصرف جميع الدخل الفائض على مشاريع آنية. بعيداً عن موضوع الدين العام، تركز التوجيه نحو الجانب الاجتماعي والتدريبي، فدعم الإسكان وبرامج التسليف والبرامج الصحية والتعليمية الرئيسية سيسهم في تحقيق انفراج كمي في تلك الجوانب، كما أن التركيز على التدريب الفني والمهني سيسهم في امتصاص الأعداد الهائلة من الشباب الذين هم بحاجة إلى الانخراط في سوق العمل الحرفي والفني وتهيئتهم بالشكل الملائم لسعودة كثير من الوظائف والمهن..

لست متخصصاً في الجانب الاقتصادي بل انني أكثر قرباً من الهم الاجتماعي ، لذلك أسعدني هذا التوجه الكريم من لدن قياداتنا الحكيمة، لكنني لم أجد بداً من طرح أسئلة ذات علاقة ابدأها بموضوع البطالة، وتحديداً شح الوظيفة وهل يكفي تدريب الشباب وإقراضهم لأداء بعض المهن البسيطة؟ ما هي القنوات المؤسساتية التي دعمناها لخلق فرص وظيفية حقيقية وضخمة؟ لماذا لانتوسع في برامج الدعم لإنشاء مؤسسات صناعية استثمارية عملاقة؟ لماذا لا نكرر طفرة شركة سابك أو شركات الكهرباء أو غيرها من المشاريع الضخمة التي استوعبت ودربت آلاف الشباب السعودي؟

ربما كان التدريب معضلة رئيسية تستحق الالتفات لكنها ليست كل المشكلة في التغلب على البطالة، بل هناك إشكالية رئيسة في خلق الفرص الوظيفية المأمونة بالنسبة للمواطن السعودي الشاب، وبالتركيز على التدريب دون خلق فرص وظيفية مأمونة وحقيقية نحن نؤجل النقطة الحرجة في حياة الشاب السعودي (عنق الزجاجة) من عدم توفر المقعد الجامعي أو التدريبي إلى التوظيف. نحن نريد تعليم الشاب كيفية اصطياد السمك بتدريبه، وهذا أمر مطلوب على اعتبار تعليم الصيد أفضل من إطعام السمك للمحتاج، لكن ذلك لا يكفي حين نطلب منه اصطياد السمك في الصحراء. إن الاستثمار في الجانب الصناعي حتى وإن أتى على حساب الدين العام لا يعتبر مقلقاً لأنه سيكون ديناً لأجل الاستثمار الذي يفترض أن يأتي بأكله وأرباحه في المستقبل وليس لأجل الصرف الآني الاستهلاكي، المنتهي بانتهاء استهلاكه!

أمر آخر يلفت الانتباه في الدعم الإضافي الموجه لقطاعات التعليم والخدمات الاجتماعية، ألا وهو تجاهل التعليم العالي من المعادلة. نعم نحن بحاجة إلى التعليم الفني بشكل أكثر إلحاحاً في الفترة الحالية وبحاجة إلى التدريب المهني، لكن التعليم الجامعي يظل مطلباً ملحاً وفي أدنى الحالات لا أطالب بمزيد من الجامعات بقدر ما أطالب بدعم إضافي للجامعات القائمة، فنحن توسعنا في التعليم العالي بشكل كبير في السنوات الماضية لكنه توسع كمي أتى على حساب الجودة، توسع في قبول الطلاب لم يصاحبه توسع مماثل في المنشآت وفي تأهيل الكوادر القائمة على التعليم العالي، والنتيجة أن كثيراً من الكليات الحديثة بجامعاتنا الحكومية تحتل مباني ومعامل مؤقتة وغالبية جامعاتنا لا يتوفر لطلابها السكن المناسب والملاعب المناسبة ولا يتوفر لأعضاء هيئتها التدريسية السكن المناسب والمعمل المناسب، وحتى نسبة السعودة آخذة في التدني بمؤسسات التعليم العالي، وكما دعم إنشاء مبان حكومية للتعليم العام ومبان حكومية للمراكز الصحية كنت أتمنى أن يلتفت إلى إكمال البنى التحتية لجامعاتنا وكلياتنا، حيث انه من ضمن إحدى عشرة جامعة لدينا فقط ثلاث جامعات لديها مقرات شبه مكتملة أما البقية فهي تعاني أشد المعاناة في هذا الجانب…

مرة أخرى أشيد بالتوجيهات الكريمة بخصوص توجيه الفائض المتوقع في ميزانية هذا العام، وأشيد بتوازنها في كثير من الأمور التي تهم وطننا الغالي حفظه الله من كل مكروه…

أضف تعليق