* يشدني التعليم بأطروحاته المختلفة، ويشدني التأمل في الحلقات التي أصبحت لوازم يعاني منها تعليمنا، وبعضها حلقات سلبية ينقدها الجميع، لكنها تظل قائمة شئنا أم أبينا، لأننا نفتقد البديل الذي نطرحه ونتمكن من تطبيقه على أرض الواقع، وبعض تلك الحلقات التي كنت أحد المستفيدين أو المتضررين منها حينما كنت طالباً، تلك المسماة دروس التقوية، وبديلها الدروس الخصوصية، وأبدأ طرحي حول الدروس الخصوصية ودروس التقوية بقصة شاب اسمه احمد يدرس في الصف الثالث بالمرحلة المتوسطة..
خلال العام الأخير تغير أحمد بشكل كبير فتحول من طالب عادي إلى طالب موسوم بالاهمال والكسل ومهدد بالسقوط (هكذا تقول والدته السقوط وليس الرسوب)، وبتحليل شخصية أحمد ومسببات رسوبه، رأيت أنه كان طالباً جيداً ولكن حينما كبر قليلاً، أراد إثبات ذاته، وهذا مظهر من مظاهر الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الفتوة أو المراهقة التي تسبق الرجولة، وفي هذا الخضم أصبح يقوم بأفعال وتصرفات تعني انه واثق من نفسه وتدل على جرأته، وبدون مقدمات أصبح شخصية لها اعتبارها ضمن أوساط الطلاب، لأنه قدم شيئا غير مألوف بما في ذلك محاولة استهتاره بمعلمه وعدم الانصياع لتعليماته، وهو التصرف الذي جعله يزداد شهرة في أوساط زملائه، وأمام هذا العائد الايجابي من الزملاء تمادى أحمد في حركاته التي اعتبرها معلمه مخالفة للآداب والتعليمات، وكان رد فعل المعلم هو مزيد من التحذير والتهديد ببعث خطاب للوالد وتكرار تحويل أحمد للتأديب عن طريق الادارة، بل أدى رد فعل المعلم والمدرسة إلى أن يبتعد بعض الطلاب الجيدين، حسب المفهوم الاجتماعي، عن مصاحبة أحمد بحجة أنه أصبح عنصرا غير مرغوب فيه من قبل معلميه ولا يشكل نموذجاً مؤدباً يحتذى، أما أحمد فقد وقع في مأزق اثبات الذات فلا هو بقادر على كسب رضا معلمه مرة أخرى، ووصل إلى شعور بأنه مهما عمل فلن يقنع به معلمه، وفي نفس الوقت هناك زملاء له لا يعتبرون في تصرفه شذوذاً بل العكس فهم يشجعونه ويعززون تصرفاته وسلوكه، والنتيجة هي انجذاب أحمد بشكل أكبر لهؤلاء الزملاء وتأخره في دراسته وعدم القدرة على تغيير النموذج والانطباع الذي أصبح يميز شخصيته… فماذا كان رأي الأب والمدرسة لمساعدة أحمد؟
الجميع ركز بالدرجة الأساسية على المستوى الدراسي، وأهمية انتظام أحمد بالمدرسة واجتيازه للامتحانات، التي ستعقد نهاية العام الدراسي.. الأب فكر بإحضار معلم دروس خصوصية لمساعدته في اجتياز المرحلة الدراسية، فمهما كانت التكلفة المادية، فمستقبل ابنه كما يرى أهم من المادة، أما المرشد الاجتماعي وبعد مساءلة أحمد فقد ألقى محاضرة على مسامع الوالد في كيفية التعامل مع الابن المراهق وحثه وتشجيعه على الدراسة.. الخ الوصايا، أما مدير المدرسة فاقترح أن يتم الحاق أحمد باحدى مجموعات التقوية التي تعقد بعد الدوام المدرسي في نفس المدرسة، فهذا أفضل من تركه تحت رحمة الدروس الخصوصية المكلفة.
هذا يتكرر في مدارسنا ولا أحد يسأل عن جدوى دروس التقوية في مثل هذه الحالة ولا أحد يسأل عن تصحيح السلوك أولاً قبل اعادة تحفيظ المعلومات، بل يكاد الجميع يقتنع بأن كل ما يحتاجه أحمد هو مزيد من المذاكرة ومزيد من التكرار للدرس أو حتى بالتركيز على حفظ نماذج اسئلة الاختبار كما يحدث في مجموعات التقوية والدروس الخصوصية.. ويتضح من دروس التقوية التي تتبناها المدارس انها مجرد إعادة لما تم طرحه في الصف الدراسي، وغالباً ما يكون عن طريق نفس المعلم، وتبنيها من قبل الجهات التعليمية يعني اعتقادها بأن القصور هو في عملية التكرار والايضاح، بالرغم من كون غالبية المتأخرين دراسياً يعانون من مشاكل سلوكية هي التي قادت إلى التأخر الدراسي، أما الدروس الخصوصية فهي تركز على تحفيظ مركز للطالب في فترة قصيرة لأجل اجتياز الامتحان ولكنها كذلك لا تعالج الضعف الدراسي بل تزيده حيث تعزز اتكال الطالب على الدرس الخصوصي في النجاح وليس على التعلم طيلة العام الدراسي والبحث عن النجاح بطريقة سوية..
هل من بديل لدروس التقوية؟ وهل من طريقة للعمل على تعديل السلوكيات بشكل مواز لمساعدة الطالب على اجتياز المنهج الدراسي؟
البديل يكمن في التعامل مع الحالة الطلابية بشكل منفرد ومحاولة العمل معها بأسلوب مقبول يتم التفاعل فيه مع قضية الطالب وحلها وفق خطة مدروسة على مدار العام، والقضية هنا مزدوجة، سلوكية وتعليمية، ولكن العقبة في مثل هذا التصور هو عدم وجود الوقت الكافي للمعلم للعمل بهذا التصور، فضغط الجدول الدراسي وزيادة اعداد الطلاب وانعدام الحافز وضعف مستوى المعلم في الجانب التربوي السلوكي، يعيق العمل على التعامل مع الطالب كحالة منفردة، فتكون النتيجة هي لا مبالاة المعلم بالحالات الفردية، فما يعنيه هو تقديم الدرس ومن يفشل فتلك مسئوليته، وقد أدرك الجهاز التعليمي هذه الناحية في مجال المتفوقين أو ما يتم تسميتهم بالموهوبين، فتم التوجه إلى ايجاد برامج للموهوب تتعامل معه كحالة منفردة، يخشى أن تفقد موهبتها ضمن الجموع، وهذا توجه ليس مجال نقاشنا، ولكن لماذا لم نوجد برامج للمتأخرين دراسياً تساعدهم على اجتياز ظروفهم ومصاعبهم التي قادت إلى مثل ذلك التأخر، بشكل أفضل من تلك الدروس العقيمة المسماة دروس التقوية؟
دعوني اتجنب الاستمرار في قصة أحمد وأطرح تجربة تحدث في مدرسة ابنتي تتعلق بهذا المجال وأجدني مرتاح لهذه التجربة، لما لعبته من دور كبير في تطوير مستواها… طبعاً لا يوجد دروس تقوية في مدرسة ابنتي ولكن هناك معلمة تعمل بطريقة انفرادية مع الطلاب، فحينما تتعرض الطالبة لصعوبة في الدراسة، كما حدث مع ابنتي في بداية دراستها بتلك المدرسة حيث كانت الدراسة بلغة غير لغتها الأم، يتم التنسيق مع تلك المعلمة لتتعامل معها بشكل منفرد أو مع مجموعة صغيرة تعاني نفس الصعوبة، ضمن دوام المدرسة المعتاد وضمن الحصص المعتادة، ولكن الفرق هو أن الطالبة، يتم تدريسها للمادة المتعثرة فيها بشكل جزئي بشكل منفرد، فحصص القراءة مثلاً خمس حصص في الأسبوع تتولى تلك المعلمة تدريس حصتين منها بشكل منفرد للطالبة المتعثرة في القراءة، وبالتالي هي لا تعزلها عن بقية الطلاب ولكنها تساعدها لتجاوز الصعوبات التي تعانيها، ومنها صعوبات سلوكية أو اجتماعية، في حالة ابنتي كانت الصعوبة في الكتابة والقراءة، والتأقلم مع بيئة المدرسة الجديدة.. الخ بمعنى آخر توجد فصول مصغرة غيرثابتة تعنى بمساعدة الطلاب المتأخرين دراسياً..
ولكن يصعب توفير مدرسين متفرغين لهذه المهمة، في مدارسنا، فما هو الحل؟
أيضاً هذه المعاناة توجد في مدرسة ابنتي، ولكن البديل الذي تطبقه المدارس هنا يتمثل في الاستعانة بطلاب كلية التربية في هذا الشأن كجزء مهم من التطبيق الميداني والعملي بتلك الكلية، فطالب أو طالبة كلية التربية لديه مجموعة من الطلاب يتعامل معهم بشكل منفرد أو مجموعات صغيرة لا تزيد عن ثلاثة طلاب، يقضي معهم من ساعتين إلى خمس حسب الحاجة اسبوعياً، طيلة العام الدراسي، يساعدهم في حل واجباتهم ودراسة مشاكلهم الفردية مع الدراسة والمدرسة وذلك وفق اشراف من معلم الفصل، ويشكل ذلك تحد عادة ما يبدع فيه متدرب كلية التربية، كونه يدخل ضمن برنامجه الدراسي ومطلوب منه متابعة الطالب دراسياً واجتماعياً وسلوكياً وأخذها إلى عضو هيئة التدريس المشرف عليه بالكلية وإلى معلم المدرسة صاحب الخبرة، ويعود بالحلول التي تساعد الطالب في مشاكله الدراسية، بل ان طالب التربية ذلك غالباً ما يكون صداقة مع الطالب تتيح له التعامل معه وفق أسلوب تتبادل فيه الثقة، وينعدم فيه الترهيب من الرسوب والفشل.. الخ بل ان مثل تلك الطريقة تساهم في تخرج أجيال من المعلمين مدركين للقضايا الفردية للطلاب وللصعوبات التي يمكن أن تعترض المسيرة الدراسية، وكيفية دراسة والتعامل مع الحالات المختلفة، وهو ما يهيئهم لفهم الأدوار المنوطة بهم مستقبلاً بشكل جيد، وأنا أرى كليات المعلمين والمعلمات وكليات التربية لدينا تخرج أعداداً كبيرة، وهناك ضعف واضح في برامج التدريب الميداني بتلك الكليات، فلماذا لا يكون من ضمن برامج تدريبهم العمل مع الطلاب بشكل منفرد أو بشكل جماعات مصغرة، ففي مدرسة ابنتي جميع الطلاب حتى أولئك الذين لا يعانون من صعوبات في التحصيل الدراسي، يوجد لكل منهم من يتعامل معهم بشكل منفرد من طلاب كلية التربية ولا يتخذ حتى اسم معلم وإنما الزميل الأكبر، وعادة ما يكون طالب أو طالبة الكلية بمثابة الأخ أو الأخت الأكبر للتلميذ أو التلميذة.
يضاف إلى ذلك وجود فئة من المتطوعين من الآباء الذين لديهم الاستعداد لقضاء عدد من الساعات بالمدرسة كل أسبوع لمساعدة الطلاب الذين هم بحاجة إلى التعامل معهم بطريقة انفرادية، سواء في حل الواجبات أو شرح الدروس.. الخ، ويكون هناك امتيازات رمزية لأولئك المتطوعين، كأن تقام لهم حفلة تكريمية نهاية العام الدراسي، أو أن يدعوا إلى المناسبات التي تعقدها المدرسة وادارة التعليم.. الخ. وربما يكون مفيداً لو قامت مدارسنا بتبني مثل تلك التجارب، مع ملاحظة أننا لا نقترح أن يكون طالب التربية أو المتطوع بديلاً للمعلم الأساسي ولا نطالبه بأن يكون متخصصاً بقدر ما نقترح ايجاد شخص أو أشخاص غير المعلم يسهمون في تقديم الدعم المعنوي والتربوي والتعليمي للطالب وبالذات حينما يكون طالباً يمر بتغيرات سلوكية أو اجتماعية أو يعاني صعوبات في التحصيل العلمي، وحينما تكون هناك صعوبة من قبل الأسر في التفاعل مع ابنائها بشكل فعال في المجال التعليمي، لأسباب اجتماعية أو عملية أو اقتصادية..
نعلم أنه يوجد في مدارسنا مشرفون اجتماعيون ويطالب البعض بايجاد مشرف نفسي لمعالجة الطلاب الذين يعانون صعوبات سلوكية، ولكن هناك صعوبات تعتري عمل أولئك المشرفين، منها تكليفهم بمهام متعددة داخل المدرسة ومنها كثرة عدد الطلاب والحالات التي يتعاملون معها، ومنها طريقة العمل الرسمية والتوجيهية المباشرة التي يسلكها الكثير منهم، مما يصعب المهمة في التعامل وبالذات مع الطفل أو مع الطالب المراهق، الذي يحتاج إلى صديق أكثر من احتياجه إلى منظر يخبره ما يجب أن يفعله أو يتجنبه..
لقد رصدت ولاية أونتاريو بكندا ضمن ميزانيتها التعليمية الحكومية لهذا العام مبلغ ستين مليون دولار لغرض واحد فقط وهو مساعدة الحالات المتعثرة دراسياً في التعليم العام والتأكد من عدم تسربها من التعليم العام نتيجة صعوبات تربوية أو سلوكية أو تعليمية وذلك بانشاء فصول وبرامج خاصة لهذا الغرض… ترى هل أعداد الموهوبين يفوق أعداد المنسحبين أو المتخلفين دراسياً في مدارسنا؟
إذا كانت الاجابة كما أتوقعها ستكون بالنفي، أليس من الأولى توجيه مزيد من الاهتمام للفئات المتأخرة دراسياً يوازي أو يفوق الاهتمام بالموهوبين دراسياً؟
صدى:
“وحول طلبكم توحيد المناهج مع وزارة المعارف، فنفيدكم بأن وزارة المعارف والرئاسة تخضعان لسياسة تعليمية واحدة وتنفرد كل جهة بالأمور الخاصة بها، وفق حاجة الطالب أو الطالبة، كما أن للمرأة خصوصيتها عن الرجل..”
أحمد بن علي النجعي، مدير الإعلام والعلاقات العامة برئاسة تعليم البنات
تعقيباً على مقالي بعنوان “الأم مدرسة كيف نعدها”