* من الأمور التي تلفت الانتباه في مناهجنا هو ليس فقط كثرة المناهج ولكن خواء بعض تلك المناهج وكأنها مواد طبقت بالاسم ولكن المحتوى تم تفريغه بشكل عجيب في أرض الواقع حتى أصبحت مجرد أرقام مكملة في أعداد مواد المنهج، رغم أنها مواد لو طبق تعليمها بشكل سليم لكان لها شأن وأهمية كبرى في إعداد الطالب والطالبة للمستقبل، ومن تلك المواد يحضرني مواد التدبير المنزلي والتربية النسائية في تعليم البنات والتربية الرياضية في تعليم البنين والتعبير والتربية الفنية في مناهج البنين والبنات ولحق بها مؤخراً مواد مثل المكتبة والتربية الوطنية، ولأنها مواد تبدو خالية المحتوى لا يجد البعض حرجاً في المطالبة بالغائها ويتساهل المدراء في الغاء بعض حصصها أو ايكالها إلى غير المتخصصين، ولا يتردد مسؤولو التوظيف في تقليص وظائفها، وليس عنايتي هنا بحث الأسباب الداعية إلى تهميش تلك المواد، ولكنني أعتقد بأهميتها متى طبقت بشكل سليم وألحظ تميزها وأهميتها في نظم التعليم المتقدم التي اكتفينا من تقليدها بفرض مسميات المواد دون النظر في المحتويات وطرق التطبيق والتطوير لتلك المواد…
سأستعرض تصورا عن مادتين فقط من تلك المواد كأمثلة بالتأكيد يمكن أن يضيف إليها المتخصصون الكثير من التفاصيل وسأبدأ مقال اليوم بمادة التربية الرياضية أو البدنية، كما تسمى في مدارسنا، وهي المادة التي يمكن اختصار مفهوم المجتمع عنها بأنها كورة “طقها وألحقها” ويمكن اختصار طريقة تدريسها في غالبية مدارسنا بأنها “خذ الكورة ياولد وعلى الملعب” وحتى لا يسارع البعض بالاعتقاد بأنني سأحيل التربية الرياضية إلى منهج حفظ آخر سأبدأ بالسؤال عن أهداف مادة التربية الرياضية، هل يوجد أهداف يتم تطبيقها لكل مرحلة عمرية أو تعليمية مختلفة؟ هل لدينا مفهوم تعليمي متكامل عن هذه المادة؟ التربية الرياضية بلا شك تعني الحركة، ولكن المهم هو معرفة لماذا وكيف يتم ذلك؟
يتحرك التلميذ الطفل والشاب ليحقق الكفاءة الفسيولوجية أو العضوية بما يشمله ذلك من كفاءة الدورة الدموية ويتحرك لتطوير القدرات الجسمانية والعضلية والميكانيكية، ويتحرك لتحقيق التوازن النفسي لذاته بما يشمله ذلك من قدراته في التعرف على كيفية التخلص من الضغوط النفسية وكيفية تطوير آليات المثابرة وبذل الجهد والعمل لتحقيق النجاح، الذي يتمثل هنا في تحقيق النجاح الرياضي، وضمن المجموعة الممارسة للرياضة يتعلم التلميذ كيفية التعامل مع الآخرين وكيفية القيادة والتعامل مع القيادة وأولياتها في الفريق وكيفية احترام الزملاء واختلاف الآراء، وضمن التنافس يتعلم التلميذ أهمية التنافس الشريف المبني علي الجهد مع زملائه في الفريق وضد منافسيه في الفريق الآخر ويتعلم تطوير ثقته بنفسه ضمن الفريق والمجتمع.
لا أريد الاستطراد في التعريف العلمي والفوائد العلمية، فهناك من هو أقدر مني على ذلك من ذوي الاختصاص، ولكن أضيف بأن التربية الرياضية تمثل وسيلة لتكوين مجتمع مصغر يتعلم فيه التلميذ أساسيات ضرورية للتعامل مع المجتمع الكبير ومع الحياة بصفة عامة، وهذه أكبر الفوائد التي أراه ينطبق عليها القول (العقل السليم في الجسم السليم) حيث المقولة لا تدل فقط على سلامة الجسم من العلل والأمراض ولكن سلامته النفسية والاجتماعية، ولا يمكن الانكار بأن الممارسين للرياضة، أو من مارس الرياضة (ولا نتحدث هنا فقط عن رياضة الاحتراف وإنما الرياضة بمفهومها العام) هم الأقدر على التفاعل والتأقلم الاجتماعي في كثير من الظروف والمواقف، ولست أخجل في القول بأنني كنت ممن عانوا ومازلت كثيراً من تلك النظرة التعليمية والاجتماعية القاصرة تجاه الرياضة، أضيف هنا بأن التربية الرياضية يمكنها الاسهام في البعد الحضاري للأمم ليس فقط من خلال رفع العلم الوطني في المحافل الرياضية ولكن من خلال استغلالها لغرس المفاهيم الحضارية في أبناء وشباب البلد، لأن تعليم كيفية احترام الآخر وكيفية الحفاظ على البيئة واحترام النظم أسهل وأجدى ان يتم من خلال الرياضة بدلاً من هذه الرسائل الإعلامية التي لا يسمعها أحد، وتعليم الإنسان وبالذات الشباب كيفية قضاء أوقاتهم وتصريف طاقاتهم الجسدية والذهنية في المجال الرياضي أفضل وأجدى من تركهم يعيشون في فراغ يدفعهم إلى البحث عن مجالات غير أخلاقية وغير قانونية لإشغال وقت الفراغ..
الملاحظة الرئيسة الأخرى في التربية الرياضية هو قصرها على الرياضة بمفهوم اللعب، واهمالها الجانب الصحي حيث نجد بعض الدول المتقدمة تمزج الرياضي بالصحي ونجد كثيرا من الكليات التي تخرج منها كثير من أساتذة كليات التربية الرياضية لدينا تحمل مسمى التعليم أوالتربية الصحية والرياضية Physical and Health Education فلماذا تقتصر التربية الرياضية لدينا على الجانب الرياضي وليس الصحي؟
إن المقصود بالصحي هنا ليس تخريج أطباء في مجال الصحة المدرسية، ولكن نحن نعلم بأن المتخصص في التربية الرياضية يلم عادة بأجزاء الجسم ووظائفه العضوية وبأساليب التغذية والنمو الجسدي والعقلي وبدون هذه المفاهيم لا يمكنه انهاء متطلبات الدراسة ولكن ذلك يذهب سدى بعد التخرج وعند التطبيق في مدارسنا، ولن أطالب بتعليم تلميذ الابتدائي التشريح أو وظائف الأعضاء ولن أطالب بتحول مدرس التربية الرياضية إلى معلم علوم وأحياء ولكن أطالب أولاً بتطبيق المفاهيم التي تعلمها ضمن برنامج التدريب التي تصمم للتلاميذ بما يتوافق مع المرحلة العمرية لهم، كما أطالب أن تستغل التربية الرياضية لتعزيز مفاهيم الصحة السليمة مثل مفاهيم التغذية وأهمية النشاط البدني والنظافة والعناية الجسدية، ومساعدة الحالات التي تعاني من مشاكل واضطرابات في التعامل عن طريق اللعب والمشاركة، فهذا أجدى من فرض مادة جديدة تعنى بالتغذية ومادة تعنى بالصحة المدرسية كما يطالب البعض، فإضافة المواد ليس الحل لتطوير المنهج الدراسي وإنما الحل يكمن في تطوير التكامل فيما بين المواد بعضها البعض بما يسهم في تعزيز وتطوير المعارف والسلوكيات المفيدة..
خلاصة الموضوع تتركز في أهمية التربية الرياضية واعتقادي بأنها لا تعلم بالشكل السليم في مدارسنا وبالتالي أرى ضرورة اتخاذ الخطوات التالية لتطوير موضوع التربية الرياضية بمدارسنا:
أولاً: وضع منهج واضح لهذه المادة والمنهج هنا لا أقصد به وضع كتاب ولكن وضع أهداف التربية الرياضية ومكوناتها لكل مرحلة عمرية ونموذج في تطبيق تلك الأهداف (انظر اقتراحي لكيفية تطوير المنهج في المقال المنشور بتاريخ 1422/3/8هـ).
ثانياً: على كليات التربية الرياضية أن تركز بشكل أكبر على التعليم الصحي ودمجه بالرياضة ويمكن الاستعانة بما هو موجود في الجامعات المتقدمة مثل جامعات شمال امريكا، وياحبذا لو تم تأكيد الجانب الصحي في مسمى كليات التربية الرياضية بأن تصبح التربية الرياضية والصحية.
ثالثاً: يجب ايجاد دورات تدريبية مستمرة لمعلمي التربية الرياضية في المجال المتعلق بالتربية الرياضية بمفهومها التربوي والصحي والاجتماعي والوطني وليس مجرد دورات في التحكيم والتدريب للعبة محددة.
رابعاً: ربط التربية الرياضية بالمناهج ذات العلاقة لتكون المناهج مكملة لبعضها البعض فحينما يتعلم التلميذ اجزاء الجسم في مادة العلوم يركز معلم التربية الرياضية على وسائل وقاية تلك الأجزاء أثناء اللعب وعندما يقدم درس عن أهمية الماء للجسم يتأكد مدرس الرياضة من شرب الطالب الكميات الكافية من السوائل أثناء اللعب، وعندما يقدم مدرس التربية الدينية درسا في أخلاقيات التعامل يركز مدرس التربية الرياضية في غرس مفاهيم التعامل الإسلامي فيما بين اللاعبين التلاميذ… الخ.
خامساً: بناء على أهمية الرياضة المشار إليها أعلاه وبناء على فوائدها الصحية والاجتماعية والسلوكية وأهمية ربطها بعنصر التربية الصحية، أكرر رأيا سبق وأن طرحته بأن تلك الفوائد ليست حكرا على الأولاد وإنما هي مهمة أيضاً للفتاة (انظر المقال المنشور بهذه الصفحة بتاريخ 1420/8/17هـ)، وعليه حان الوقت لأن تتمتع الفتاة بعناية تعليمية وتربوية وصحية ونفسية لا تقل عن الفتى، بل يمكن القول بأن الفتاة وهي المعرضة لمخاطر صحية أكبر في حياتها المستقبلية نتيجة لأدائها وظائف الحمل والولادة ونتيجة لطبيعتها الفسيولوجية هي أحق بأن يوجد لها منهج متميز في التربية الرياضية يساعدها في تقوية جسدها وفي نموها بشكل صحي متوازن عاطفياً وجسدياً وسلوكياً، مع التأكيد بأن ذلك ممكن دون الإخلال بالمبادئ الدينية، حيث لم نعلم رفض الدين لممارسة الرياضة طالما يتم أداؤها ضمن الأطر الشرعية المتعارف عليها…
سادساً: التربية الرياضية والصحية تتجاوز أهدافها اجتياز المرحلة الدراسية إلى تعليم الطالب كيفية قضاء أوقات الفراغ بما يفيد وبالتالي فإن أبعادها الوطنية تمتد للجانب الأمني وقضاء أوقات الفراغ في ممارسات مفيدة تمتص الطاقات الشابة بدلاً من تصريفها في مجالات تعود بالضرر على الفرد والمجتمع، وعليه فالاهتمام بها في المراحل العمرية المبكرة له مردود يتجاوز مجرد النجاح والرسوب في مرحلة دراسية أو مجرد تعلم مهارة رياضية أو صحية إلى تطوير مفاهيم وطنية أمنية اجتماعية عامة..
في مقال قادم نتحدث عن مادة أخرى أهدافها المثالية ممتازة وضرورتها أكيدة ولكنها في مدارسنا أصبحت فارغة المحتوى والمضمون والهدف.
صدى
“… معظم مصابي الحالات المرورية يحتاجون إلى عناية فائقة والعناية الطبية في العناية المركزة تتكلف مبالغ طائلة اضافة إلى أن بعض المصابين يحتاجون إلى عدة عمليات وإلى فترات تنويم طويلة. فمن يتحمل التكاليف؟ هل هم أصحاب المستشفيات الخاصة أم وزارة الصحة؟ هل وزارة الصحة تركز مسؤولياتها في انشاء المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية وتوفير الأدوية.. إلخ أم الصرف على مصابي المرور؟ واللائحة هنا صريحة وهي أن تتحمل وزارة الصحة في حالة عدم توفر أسرة شاغرة بمستشفياتها تكاليف العلاج لمدة 24ساعة الأولى يتم بعدها نقل المريض إلى مستشفى حكومي وتكون مسؤولية الوزارة في ايجاد هذا النوع من الخدمة في مستشفياتنا..”
د. سمير عبدالله لنجاوي ـ مدير الشؤون الصحية بمحافظة جدة تعقيباً على مقالي بعنوان “فؤاد ومعالجة الخطأ الصحي”.