عندما يأتي الحديث عن المواطنة أو الحقوق أو العدالة يقفز المثقف والسياسي في الغالب إلى التركيز على المواطنة والحقوق بمفهوميهما السياسي والمدني، ويتم بشكل كبير تناسي المفهوم الاجتماعي رغم أن المواطن البسيط قد يعنيه الجانب الاجتماعي أكثر من غيره لأنه ببساطه يعني بحياته اليومية ويمس أساسيات المعيشة اليومية. لن أخوض عميقاً في التنظير حول حقوق المواطنة على الدولة أو المواطن، أو مصطلحات العدالة الاجتماعية وأدلتها وتعريفاتها وإنما ألفت الانتباه إلى أن تقديم وتوزيع الخدمات الرئيسية التي كفلها النظام والتي تمس حياة كل مواطن وكل أسرة تقريباً على هذه الأرض الطيبة تمثل عضراً من عناصر الحفاظ على العدالة الاجتماعية، مع حرصي على عدم الخوض في مصطلح العدالة من الناحية الفلسفية، فيكفي أننا نحكم شرعيتنا الإسلامية العادلة التي هي دستور هذه البلاد ومنها نستمد عدالتنا. لا أريد الحكم بأن طريقة تقديم وتوزيع الخدمات الرئيسية حينما يتجاوز مبادئ العدالة يقود إلى الطبقية، ومصطلح الطبقية هو الآخر أشد رعباً في تفسيراته المختلفة، لأنه يشير بشكل مباشر أو غير مباشر إلى التفرقة بين أفراد المجتمع الواحد بناء على خلفيات غير موضوعية وأحياناً غير إنسانية، ومرةً أخرى، بلادنا من منطلق التزامها بتطبيق الشريعة الإسلامية ومن منطلق نظمها الأساسية ترفض مثل هذا التفريق، في الحقوق الاجتماعية الأساسية. رغم ذلك لم أجد بداً من استخدام هذه المصطلحات، لإيضاح القلق تجاه تبنينا بوعي أو بدونه تطوير أنواع جديدة من اللامساواة والطبقية الاجتماعية، التي نتمنى الإسراع في اتخاذ مواقف واضحة تجاهها، قبل أن تتعمق آثارها وفعلها في تركيبة هذا المجتمع المستمد مبادئه من موقف إسلامي واضح في تركيزه على مفاهيم العدالة.
من الطبيعي أن تحدث تطورات في تقديم الخدمات الأساسية تساير النمو السكاني وتتواءم مع الظروف الاقتصادية والإدارية الراهنة، لكن الخشية أن يتسبب لهثنا في البحث عن حلول في فقدان التوازن أو الموازنة مابين البحث عن حلول اقتصادية وإدارية للأزمات الراهنة ومابين التمسك بتحقيق مبدأ العدالة في تقديم تلك الخدمات. هذا الإخلال بمبدأ توفير الخدمات الأساسية وفق أسس تراعي المساواة والعدالة والكفاءة في تقديم الخدمة، يخشي أن يؤدي إلى ظهور طبقية جديدة في المجتمع تقود إلى جعل معايير المادة والجاه والانتماء المناطقي أو القبلي أو الأسري، أساساً في تصنيف أحقية الناس بالخدمات الضرورية لمعيشتهم، وتحول المجتمع إلى قياس الجاه وبناء العلاقات بناء على مكان ونوعية الخدمة الأساسية التي يتلقاها الفرد، بدلاً من بنائها على قدرات الفرد ومواهبه وشخصه كمواطن يملك من الحقوق مايملكها أي مواطن أخر.
هل يستطيع المواطن العادي لدينا الذي لايحتكم على الوفرة المادية أو النفوذ أن يحصل على الخدمة ذاتها التي يحصل عليها صاحب المال والنفوذ الوظيفي أو الاجتماعي؟ نتحدث عن الخدمة الأساسية التي كفلها النظام للجميع كالصحة والتعليم والتوظيف وغيرها..
ماذا يعني تبني مفاهيم السوق وتقديم الصحة والتعليم، كسلع تجارية دون كوابح تنظيمية واضحة، لغير القادرين على دفع المقابل المادي تجاه تلك الخدمات؟ هل يعني تصنيفهم كطبقة متأخرة أو متخلفة؟ هل يعني الحكم عليهم بالبقاء في دوائر الفقر والعوز والتخلف والمرض؟ أم قصم ظهورهم بالدين والهم لأجل الحصول على خدمة يكفلها النظام دون منة من أحد؟