أحسب أن الاقتصاد السعودي قائم على أسس ثابتة أهم مبادئها حرية الاقتصاد والتجارة، حتى في أوج المد القومي وموجة التأميم التي اجتاحت الدول العربية كانت مبادئ الاقتصاد السعودي ثابتة في هذا الشأن. هذا ليس بجديد، بل انه أصبح ديدن جل دول العالم في الوقت الراهن وأصبح القاعدة الرئيسية التي تتكئ عليها مبادئ المنظمات العالمية بما فيها منظمة التجارة العالمية التي تأخذ تحرير التجارة كمبدأ رئيس لاتفاقياتها، والمملكة عضو بتلك المنظمة. أسوق هذه المقدمة وكلي استغراب من خطوة تأسيس شركة حكومية تتولى احتكار توريد وتصدير الدواء للقطاعات الصحية الحكومية. يجب أن أقدر هنا ومنذ البداية أن الدافع لإنشاء هذه الشركة هو حتماً صدق النية والرغبة من مسؤولي وزارة الصحة وبعضهم ربما لازال متشبعاً بالمرحلة التي كان فيها طالباً بدول المد القومي العربي ، وزملاؤهم بمجلس الخدمات الصحية، وسنحسن النية بأنهم ، لم يمحصوا الأمر من جانبه الإداري الاقتصادي وظل تركيزهم على كيفية السيطرة على متاعب توريد الدواء.
ربما يغضب البعض حين نستخدم مصطلحات مزعجة مثل الاحتكار لكن الوضوح يتطلب منا تسمية الاشياء بأسماءئها. إنها ظاهرة ملحوظة توجه ورغبة القطاع الصحي في أداء جميع عملياته بشكل ذاتي وهو مايخالف التوجهات الاقتصادية للمملكة والتوجهات الحديثة في الإدارة والتي أصبحت تركن إلى دعم القطاع الخاص وأداء جل العمليات عن طريق العقود مع الشركات المتخصصة. وما موضوع التشغيل الذاتي والآن إدارة سوق الدواء سوى نماذج لهذا التوجه لدى قطاعنا الصحي. القطاع الصحي لم يعترف بضعفه (أو فشله في بعض الحالات) في تطوير مواصفات دقيقة في موضوع التشغيل الذاتي وفي استيراد الدواء وشراء الأجهزة، وفشله في أدواره الرقابية والإشرافية بفاعلية كافية، ونتيجة لذلك الضعف ذهب يلقي باللائمة على الشركات الطبية وشركات التشغيل وشركات الأدوية، ووجد لنفسه المبررات التي تسمح له بلعب أدوار (احتكارية) عديدة، أحياناً أكبر من طاقته وإمكاناته. الخدمات الصحية تمتاز بأنها ذات جوانب متعددة، طبية، اقتصادية، اجتماعية، وإدارية، لكن القائمين على إدارة الخدمات الصحية وجلهم من الأطباء لم يستوعبوا أو يتقبلوا هذا التنوع بشكل جيد، فغدوا يديرون و(يفتون) في العمليات الاقتصادية والإدارية والاستثمارية والتخطيطية وغيرها. أريد أن اسمع رأي أهل الاقتصاد (فضلاً الاقتصاديين وليس الأطباء) في إنشاء شركة دواء موحدة؟
أناقش هنا المبادئ التي تحكم احتكار بيع الدواء من لدن شركة حكومية واحدة وتعارض ذلك مع مبادئ الاقتصاد السعودي الحر ومبادئ منظمة التجارة العالمية والتوجهات الحكومية الرسمية الرامية إلى دعم وتشجيع القطاع الخاص في كافة المجالات، وأختم بسؤال حيوي هل تملك وزارة الصحة رؤية إستراتيجية واضحة في مجال اقتصاديات الصحة وتخطيط الموارد الصحية ؟