تعاني الجامعات من ضعف الموارد المالية، حيث اعتمادها الرئيسي لازال قائماً على الميزانية الرسمية التي توفرها الدولة لها سنوياً، ورغم أن هناك دعاوى بضرورة تبني الجامعات مفهوم الانتاجية وتطوير الموارد الذاتية التي تسهم في تنمية مواردها الذاتية، إلا ان الواقع العملي يشير إلى ضعف الاستثمار الذاتي أو انعدامه لدى الجامعات السعودية، حيث إن الحلول التي تبنتها الجامعات في هذا الشأن لاتزال غير استثمارية وغير مجدية بالشكل الكافي. قبل بسط الفكرة التي اطرحها اليوم للإسهام في تطوير الاستثمار الذاتي للجامعة أو للتغلب على بعض صعوبات الجامعة، استعرض أبرز الوسائل التي تبنتها الجامعات في مجال تنمية مواردها الذاتية.
في البداية كانت بعض التوجهات التي تبنتها بعض صناديق الطلاب في بعض الجامعات في إنشاء مشاريع بسيطة مثل البقالات والبوفيهات وغيرها، اضافة إلى تأجير الجامعة لمواقع بعض الخدمات الأساسية مثل البوفيهات وأكشاك الزهور والبنوك.. وغيرها. مثل هذا التوجه بالتأكيد لا يعتد به في مجال الاستثمار المنشود من مؤسسات عملاقة مثل الجامعات ومداخيله لا تعني في الواقع أكثرمن (ملاليم) متواضعة لا تستحق الالتفاف، وإنما نوردها حتى لا يأتي من يتهمنا بإغفال جهوده في مجال الاستثمار الذاتي!
التوجه الذي يبدو أنه بدأ يحظى بالنصيب الأكبر في اهتمام الجامعات والتعليم العالي بصفة عامة يتمثل في تحصيل الرسوم الدراسية عبر برامج ومسميات مختلفة مثل برامج كليات المجتمع وبرامج التعليم الموازي وغيرها، وهذا النوع لا أراه جديراً بأن يسمى استثماراً لأنه لا يوفر الكثير للجامعة بقدر ما يعتبر مصاريف دراسية استهلاكية، فضلاً عن كونه يتعارض مع مبادئ سياسة التعليم في المملكة وتحديداً المادة 233التي تشير إلى مجانية التعليم في المملكة بكافة مراحله وأنواعه، ويقع محل تساؤل من ناحية إخلاله بمبدأ العدالة والأخلاقيات المنشودة في التعليم العالي.. هذا التوجه لا نعتبره مشروعاً كاملاً ما لم تتم مراجعته وفق هيكلة ورؤية واضحة للتعليم العالي، وبالذات في مجال مجانيته من عدمها..
البحث العلمي لاشك هو الأساس حينما يتم الحديث عن الانتاجية في مجال التعليم العالي، ولكن الواقع يشير إلى ان البحث العلمي المنتج في جامعاتنا لايزال متواضعاً، كنتيجة لضعف القاعدة البحثية بجامعاتنا وعدم تحول برامج دعم البحوث من الطبيعة الاستهلاكية إلى الاستثمارية التي تسهم في بناء قاعدة بحثية واستثمارية منتجة بشكل كاف..
صندوق التعليم العالي لا يمكن إغفال دوره كرافد لدعم الجامعات في بعض المشاريع أو المتطلبات الاكاديمية الصغيرة، ولكنه هو الآخر معتمد حتى الآن على موارد هي في الأساس موارد حكومية، تؤخذ من الجامعات وتعاد إليها بطريقة أخرى ولم يتجه بعد نحو الدور الاستثماري أو نحو استقطاب موارد غير حكومية لدعم التعليم العالي..
مما طرح أعلاه يمكن القول بأن المحاولات الانتاجية الاكاديمية والبحثية التي تتبناها الجامعات السعودية لم تأت أكلها بعد وتعاني مما تعانيه من الضعف والصعوبات الادارية والأخلاقية، وعليه اقترح ولوج باب آخر للاستثمار في تنمية الموارد للجامعة، باب غير اكاديمي في ظاهره، ولكن سيساند العملية الاكاديمية في النهاية، وبالذات في مجال تطوير البنية التحتية للجامعات. هذا الاقتراح يتمثل في استثمار الأراضي الشاسعة التي تملكها غالبية الجامعات، حيث ان جل الجامعات السعودية وبالذات الحكومية منها حظيت بأراض شاسعة، منحتها لها الدولة بشكل كريم جداً، على أمل ان تتحول كل جامعة إلى مدينة متكاملة، ولكن ومن خلال الواقع العملي وعلى مر الزمان، أثبت بأن الجامعات لم تستفد سوى من جزء من تلك المساحات، وهي غير قادرة بمواردها الحالية وخططها القريبة الأمد على الاستفادة من الأراضي (البيضاء) التي تملكها، فأصبحت تلك الأراضي الشاسعة تشكل فراغا بارزا في قلب المدن التي تقع بها الجامعات. فكيف يتم استغلال تلك الأراضي الشاسعة بشكل استثماري يعود بالفائدة على الجامعات؟
الاجابة على هذا السؤال اطرحها في مثال إنشاء شركة جامعة الملك فيصل بالدمام كشركة مساهمة، فجامعة الملك فيصل بالدمام تعاني بشكل واضح في مجال الانشاءات، حيث لا يوجد مقر دائم لغالبية كلياتها ومراكزها العلمية والمساندة للعملية الاكاديمية، ولا يوجد لديها مستشفى جامعي يفي باحتياجات كلياتها الطبية المتزايدة، ولا يوجد لديها إسكان لأعضاء هيئة التدريس ومكتبتها ومركزها الرياضي يوجدان بمقرات شبه مؤقتة، ومن كثرة الترقيعات التي تستحدث هنا وهناك بالجامعة أصبح مقرها بالدمام عبارة عن مباني منثورة بشكل عشوائي هنا وهناك. طبعاً للجامعة خطة طموحة في إنشاء مدينة جامعية حديثة متكاملة، ولكن الواقع يشير إلى ان تلك الخطة الطموحة وفي حالة التفاؤل باستمرار كرم وزارة المالية وحسب الدراسات والتصاميم التي تقوم بها ادارة المشاريع بالجامعة لا أتوقع ان يتم الانتهاء منها قبل عشرين عاماً من الآن. مع العلم ان هناك مشاريع حيوية لم تتضمنها تلك الدراسات. وقد تستغرق سنوات أطول لانجازها مثل المستشفى الجامعي والمركز الترفيهي وإسكان أعضاء هيئة التدريس وغيرها، وذلك عطفاً على التطورات الاقتصادية الحاصلة وعلى التطورات التي تشهدها الجامعة، وبالذات في مجال توسعها الأفقي الذي ينبئ بإقدامها على افتتاح مزيد من البرامج والمراكز والكليات والتي ستضغط دوماً باتجاه تأجيل كثير من المشاريع الحيوية لأجل المشاريع العاجلة… ليس القلق هنا فقط في تأخر إنشاء البنية الاكاديمية المناسبة بل في تحول أراضي الجامعة الشاسعة بموقعها المتميز في قلب المنطقة السياحية والاقتصادية الرابطة بين مدن الدمام والخبر والظهران إلى مطمع يغري الآخرين بالإقتطاع منها تحت مسميات ومبررات مختلفة، فلا الجامعة تمكنت من استغلال أراضيها ولا هي بقادرة على مقاومة جميع الجهات الأخرى وصد مطامعها في أراضيها التي تملكتها بحكم النظام..
شركة جامعة الملك فيصل المساهمة اقترح قيامها في هذا الشأن لتبدأ أو تركز حتى بشكل كامل في الاستثمار العقاري والسياحي والثقافي والخدماتي قبل ان تتحول للاستثمار الاكاديمي البحت، بما يعود على الجامعة والمساهمين والمجتمع بالفائدة المرجوة بدلاً من اهمال أراضي الجامعة هكذا وتركها عرضة للطامعين وإبقاء الجامعة في حالة طوارئ وأزمات دائمة بسبب عدم توفر البنية التحتية المناسبة لقيامها بأدوارها الاكاديمية والاجتماعية والتنموية على أكمل وجه. مثل تلك الشركة يمكن ان تتبنى إنشاء مستشفى عام، فندق سياحي، مركز ترفيهي، إسكان أعضاء هيئة تدريس، كليات، مراكز ثقافية وتجارية… فالجامعة ستملك الجزء الأكبر من رأس مال الشركة باعتبار ما ستقدمه من أراض اسهاماً في رأس المال، وفي نفس الوقت هي ستضمن العائد أو جزءا من العائد الاستثماري لمشاريع الشركة عن طريق استئجارها أو شرائها أو ادارتها كمشاريع المستشفى والاسكان والكليات وغيرها، وفي نفس الوقت هذه الشركة ستصبح محفظة استثمارية ناجحة على المدى القصير والبعيد تسهم في وضع الجامعة ضمن المؤسسات الاقتصادية الاستثمارية المنتجة.. هذه الشركة يفترض أن تسجل كشركة مساهمة إما محدودة أو مفتوحة وتدار وفق أسس اقتصادية بشكل مستقل عن ادارة الجامعة (طبعاً الجامعة ستمثل ضمن مجلس الادارة بصفتها مستثمرا ومؤسسا رئيسيا للشركة). وقد تشابه في نظامها محلياً بعض شركات الخدمات المقامة في بعض المدن كشركة الرياض للتعمير وشركة جدة القابضة وغيرها..
طبعاً أسهبت حول جامعة الملك فيصل بالدمام، كمثال، وكان بالامكان ايصال الفكرة هذه إلى ادارتها مباشرة، ولكني وددت طرح الفكرة للنقاش والاطلاع من قبل المعنيين في مختلف الجامعات لاستغلال ما أباحه النظام لها، أو على الأقل ما لم يمنعه النظام نصاً، وبالذات الجامعات الجديدة الحكومية والخاصة وهي المقدمة على تأسيس منشآت اكاديمية ضخمة وبحاجة إلى أفكار متطورة لتجاوز عقبات الإنشاء ولتكوين قنوات استثمارية غير تقليدية وغير أكاديمية مساندة لقنواتها الاكاديمية المتعارف عليها في مجال التعليم العالي.
ملحوظة:
حظي مقالي في الأسبوع الفائت حول جمعيات رعاية المعوقين ببعض الملاحظات والتعقيبات من قبل نفر من المهتمين. أعدهم بإيضاح الفكرة التي طرحتها بشكل أكثر وضوحاً في مقال قادم.