أنهيت عامي الأول كعضو هيئة تدريس، بعد حصولي على درجة الدكتوراه، ورأيته عاما جديرا بأن نستخلص منه الدروس والعبر، لا سيما وأنه يغلب علي حب التأمل والملاحظة، التي خرجت منها برصد لمجموعة من الدروس التي لم أكن لأدركها، وأنا المقدم بشوق وطموح على عالم كنت أرى فيه التميز الفكري والاجتماعي والعلمي. ذلك التميز الذي كنت أحسبه سيشبع نهمي ويتحدى قدراتي الإبداعية والعلمية، بشكل يبرر التضحيات المبذولة للوصول إليه.
أعلم أن سرد التجربة يفترض أن يأتي من قبل المجرب الذي قضى عشرات السنين في هذا المجال، لكن أولى مظاهر الردى التي وجدتها في عالم الأكاديميا هي أنه كلما تقدم العمر بعضو هيئة التدريس كلما تناقص حماسه ورغبته في خط سطر أو تأمل تجربة، وكلما امتد بك المقام داخل المجال الأكاديمي كلما فقدت القدرة على تقييمه موضوعياً من الخارج.. سأحاول أن أكون حيادياً في وصف عالم الأكاديميا، أو بمعنى أصح وصف بعض سلبياته، وفي جميع الأحوال يجب إدراك التفاوت بين الاشخاص ، بين البرامج وبين الكليات أو الجامعات، وبأنني في النهاية أعرض رؤية شخصية لست أجبر الآخرين على الإيمان بها، رؤية نقدية تعري بعض السلبيات وليست دعائية تعدد المنجزات..
الدرس الأكاديمي الأول: الفردية هي العنوان الرئيسي في الجامعة. دعك من تنظير الأكاديميين وحثهم طلابهم على روح العمل في الجامعة، لا أحد يقدر أو يقيم العمل الجماعي في الجامعة سواء في الترقية أو التقدير الإداري المعنوي العام، والطيبون من أعضاء هيئة التدريس هم من يشارك في العمل الجماعي في البيئة الأكاديمية، وغالبية الطيبين هم من المبتدئين في المجال الأكاديمي الذين يشاركون ليتعلموا دروس الفردية عبر الاحتكاك بأباطرة الفردية..!
الفردية في الجامعة ليست فقط في الرغبة في الإنتاج الفردي بعيداً عن الجماعية ولكن أيضاً في البعد الاجتماعي داخل الأقسام والكليات، فعضو هيئة التدريس غالباً مايكون أصدقاؤه من خارج القسم ونادراً مايتم مناقشة الهم العلمي والبحثي والتدريسي ضمن الأطر الاجتماعية بعيداً عن المجالس الأكاديمية الرسمية. بعضهم يقضي أياما وربما اسابيع دون أن يرى جاره الدكتور أو زميله بالقسم، وإن رآه فلا يحدث ذلك سوى داخل مجلس أو من خلال لجنة.
هذه الفردية الطاغية تقود إلى أو يصاحبها ما يشبه النميمة والغيبة، فما أن يجتمع عضوا هيئة تدريس حتى يبدأ الحديث عن ثالث، بحثه لم ينشر بالمجلة وترقيته تأخرت وليس لديه استشارة خارجية..إلخ، وطبعاً الحديث عن الآخر ينمي الفردية حين يبدأ الكل يتحدث عن بحثي وترقيتي ومؤتمراتي وكتاباتي، مقابل بحثهم وترقيتهم ومؤتمراتهم وكتاباتهم.
نادراً مايتحدث أحدهم عن طرق التعليم التي يسلكها مع طلابه وعن تطويره في مستوى طلابه. وما قيمة الحديث عن ذلك إن كان لايشملها ترقية ولا تضاف تفاصيلها في السيرة الذاتية. السيرة الذاتية، هذه عمل مقدس عند الأكاديمي فهو يشترك في أكبر عدد من اللجان لا ليخدم من خلالها وإنما لتضاف أسطر في السيرة الذاتية ويشارك في مؤتمرات قد لايفيد ولايستفيد منها وإنما ليضاف سطر جديد للسيرة الذاتية. الفردية الطاغية في البيئة الأكاديمية بالجامعات ليست محصورة في البحث العلمي وفي أوساط أعضاء هيئة التدريس بل تمتد آثارها وسلبياتها إلى العمل الإداري الأكاديمي وإلى القرارات الأكاديمية المصيرية، حيث إن طغيان الفردية يدفع للمجاملات وعدم الجرأة والقدرة على تناول المواضيع المطروحة بشفافية وموضوعية.. هذا ما يقود إليه التفكير الفردي المبني على المصلحة الفردية..
إذاً الفردية هي الدرس الأكاديمي الأول الذي يفترض أن يتعلمه عضو هيئة التدريس بالجامعة، وهو ما أحاول جاهداً اتقانه أو الهرب منه بعد عام من التجربة، وسنواصل طرح الدروس في مقالات قادمة.