في أحد الأيام وعند التاسعة والنصف صباحاً ولج إلى مقر إدارة جامعة هارفارد الشهيرة، رجل وزوجته، وطلبا من السكرتيرة الإذن بمقابلة معالي مدير الجامعة… نظرت السيدة السكرتيرة إلى هيئتهما الظاهرة فلم تعرهما اهتمامها الكافي، فقط أبلغتهما بأن معالي المدير في اجتماع لن ينتهي منه حتى منتصف النهار ولابد من موعد مسبق لمقابلته.
جلس الرجل وزوجته في الركن القصي من قاعة الانتظار خارج مكتب المدير.. ساعة… ساعتان، انتهى الاجتماع، عاد المدير من غدائه وهما لم يبرحا قاعة الانتظار..
ذهبت السكرتيرة هي الأخرى للغداء فعادت الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، فتذكرت بأن الرجل وزوجته لا زالا هناك في قاعة الانتظار…
هناك زوج من الفلاحين يا معالي المدير يصر على مقابلتكم وهم بالانتظار منذ الصباح، ماذا أفعل معهم… هكذا قالت السكرتيرة لمدير جامعة هارفارد الذي طلب منها أن تخبرهم بأنه قادم إليهم، وكأنه لا يريد ادخالهما مكتبه دون أن يراهما مسبقاً.
بعد نصف ساعة أخرى تذكر المدير أن هناك من ينتظره بالخارج، فخرج معاليه من مكتبه ورحب بالضيفين، وسألهما عما يمكنه تقديمه من خدمات..
بادر الرجل: نحن يا معالي المدير لدينا ابن توفي وهو في ريعان شبابه، في عمر الخامسة عشر، ومن حبنا له أردنا تخليد ذكراه بانشاء معلم بالجامعة يحمل اسمه، مبنى مثلاً..
حدق المدير نظره في الواقفين أمامه، فرأى رجلا وامرأة لا تبدو عليهما علامات الجاه أو الثراء أو حتى الانتماء إلى رجال المال والأعمال…
– هل تعرفان كم يكلف مبنى جامعي صغير في هذه المنطقة؟ ولم يترك لهما الاجابة، بل أجاب المدير كمن يستنكر طلبهما ذلك:
إن تكلفة مبنى واحد في جامعة هارفارد كهذا المبنى الذي أنتما بداخله يكلف حوالي خمسين ألف دولار..؟
تدخلت المرأة المكلومة على فقدان ابنها في الحديث، ودعت مدير الجامعة وشكرته دون أن تدع لزوجها مزيداً من الكلام، ووسط دهشة معالي المدير الذي اعتقد بأن حدسه صح بأن هؤلاء الفلاحين غير مدركين أبعاد عرضهما ذلك.. خرجت المرأة ممسكة بيد زوجها، وفي المقهى القريب تناولا غداءهما بعد انتظار طويل في مكتب مدير جامعة هارفارد.
ما دام المبنى الجامعي يكلف خمسين الف فقط ونحن لدينا مزارع وأملاك أضعاف ذلك الرقم، لماذا لا نقيم جامعة كاملة باسم ابننا لينارد، في مدينتنا الصغيرة..
كانت هذه العبارة من أم لينارد هي اللبنة الأولى لقيام الحلم الذي تحول إلى حقيقة فيما بعد، حيث عاد الرجل وزوجته إلى مقر اقامتهما بولاية كاليفورنيا وبدأت قصة انشاء واحدة من أعرق الجامعات العالمية اليوم، جامعة ستانفورد، أو جامعة لينارد ستانفورد، التي بدأت عام 1891م بـ 555طالباً فقط، ازداد عددهم حتى وصل عدد طلاب الدراسات العليا فقط بها عام 2000م إلى 7700طالب، وازداد أساتذتها من 75إلى 1368في نفس الفترة، وتضخمت رسومها الدراسية من أقل 200دولار في العام الواحد لتصل إلى 2000إلى , 24500دولار تقريباً في العام الواحد لكل طالب، أي حوالي تسعين ألف ريال سعودي.
تلك حكاية إنشاء جامعة ستانفورد كما تكررها الروايات الأمريكية، وسواء نقلتها بشكلها الدقيق أم أن مثلي ليس بارعا في السرد، فإن العبرة في روايتها هنا هو الرغبة في الانطلاق نحو سرد حكاية عن إحدى جامعاتنا الموقرة مع حفظ المقامات، وتحديداً سأكتب لكم عن جامعة الملك فيصل، البيت الذي أعشقه ويفرض علي مبدأ الحب إخلاص القول والمصارحة.. جامعة الملك فيصل التي اعتبرت بداياتها أقوى بداية لجامعة سعودية على الإطلاق، حيث بدأت من الصفر بأربع كليات علمية وبشطرين رئيسين في وقت واحد، وبمرسوم ملكي يقضي بقبول الطلاب فوراً مما اضطر الجامعة إلى ابتعاث بعض طلابها في سنتهم الأولى حتى حين ايجاد مقرات لكلياتها، بعكس بقية الجامعات التي بدأت بكليات أدبية أو بدأت كامتداد لفروع جامعات أخرى.
قبل عدة سنوات ولظرف خاص قامت جامعة الملك فيصل بافتتاح شعبة أو قسم لكلية العلوم الإدارية بالدمام، حيث مقر كلية العلوم الإدارية الرئيس هو الأحساء، وحسب قول الرواة فقد كان ذلك على ضوء وعد من رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص بالمنطقة الشرقية بدعم تلك الخطوة، وهو وعد يكفي منه ما نفذته شركة أرامكو التي تبرعت بمقر متكامل للفرع الجديد، وفوق البيعة، تبرعت بسكن يزيد عن 150فلة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعة، تحديداً تم تبرع أرامكو بمقر مركز التدريب والاسكان الذي كان تابعاً لشركة سمارك قبل ضمها إلى أرامكو، واستخدم كمقر لشعبة العلوم الإدارية تلك وهناك تبرعات لم تنفذ لأن أصحابها كانوا ولا زالوا بحاجة إلى من يشعرهم بأهمية ذلك وإلى من يقدرهم بزيارةأو تودد يستحثهم نحو التبرع، فكيف كان رد فعل جامعة الملك فيصل مع هذه الخطوة..؟
بدلاً من تطوير الشعبة إلى فرع متكامل للكلية أو كلية متكاملة للعلوم الإدارية، وبعد ممارسة الدراسة بتلك الشعبة سنوات، نكصت الجامعة على أعقابها وألغت أو تخلت عن فرصة ذهبية قامت وربما لا زالت قائمة نحو إنشاء كلية علوم إدارية أو فرع كلية إدارية بالدمام.. الغريب أن ستانفورد المنطقة الشرقية الحقيقية أحست برغبة الأهالي في وجود برنامج علوم إدارية وهي بصدد تقديم برنامج في الإدارة مقابل رسوم مالية، كأول جامعة سعودية سوف تقدم الدراسات العليا بمقابل مادي..!
حتى لا تغضبوا من عدم افتتاح جامعة الملك فيصل لكلية العلوم الإدارية بالدمام وهي الكلية التي كانت في متناول اليدين، بل انها الكلية التي وضعت نواتها الأولى قبل اقتلاعها مرة أخرى، نبشركم بأن جامعة الملك فيصل لديها سبع كليات جديدة في طور الإنشاء وقامت شكلياً بافتتاح اثنتين من تلك الكليات، ونقول شكلياً لأنه يبدو أن مفهوم افتتاح كلية جديدة بجامعة الملك فيصل لا يعني سوى استحداث منصب عميد للكلية، وليس مهماً إن كان عميداً جوالا يحمل كتبه في حقيبة يده، أو عميدا بدون جهاز إداري متكامل، المهــــم هو وجود عميد يحضر جلسات المجلـــــس الأعلـــــــى للجــــــامعة ويشارك ضمن لجان التعــاقدات التي تجوب أصقاع الأرض سنوياً.
كلية طب الأسنان، كلية العلوم التطبيقية، كلية طب الأحساء، كلية الصيدلة، كلية الدراسات التطبيقية، كلية العلوم، كلية التمريض سبع كليات جديدة حصلت جامعة الملك فيصل على الموافقة السامية بقيامها، ونقول جديدة بالرغم من كون الموافقة على إنشاء كليات طب الأسنان والعلوم الطبية والتمريض تمت منذ عام 1415هـ، ولكن طب الأسنان والتمريض لم تبدأ حتى الآن والعلوم الطبية يتم تدريس قسميها الوحيدين والجديدين (من أصل أكثر من عشرة أقسام تمت الموافقة عليها) في إحدى عمائر اسكان مستشفى الملك فهد الجامعي، أي أن الزيادة في عدد كليات جامعة الملك فيصل خلال الثلاث سنوات الأخيرة بلغت أكثر من 100% (سابقاً يوجد بها كليات الطب، العمارة والتخطيط، العلوم الإدارية، الزراعة، الطب البيطري، التربية) فما هي استعدادات جامعة الملك فيصل التي تورد ما يصلها من تبرعات إلى بيت مال الدولة، ما هي المنشآت التي وفرتها للكليات الجديدة، ما هي الوظائف التي وفرتها للكليات الجديدة، ما هي الموارد المالية الاضافية التي وفرتها لتشغيل وإنشاء تلك الكليات؟!
إذا كانت الميزانية لم يتم زيادتها بالقدر المناسب لهذا التوسع (ميزانية جامعة الملك فيصل لا تتجاوز 600مليون ريال، وهي لا تكفي لتشغيل المستشفى الجامعي بكفاءة، لو افترضنا تشغيله بمثالية وكفاءة) والاستثمار الذاتي للجامعة يكاد أن يكون شبه معدوم (الموارد الذاتية لجامعة الملك فيصل لا تزيد عن عشرة ملايين ريال، بما في ذلك دخل مراكز الأبحاث بها، في العام ويمكن مقارنتها بموارد ذاتية تزيد عن مائة مليون ريال بكل من جامعتي الملك سعود والملك فهد للبترول والمعادن) فمن أين لجامعة الملك فيصل القدرة على هذا التوسع؟ هل هناك مصادر أخرى غير معلنة تحوزها الجامعة ولا نعلمها؟ هل كانت الجامعة تمتاز بالتضخم المالي الوظيفي وتحاول امتصاص ذلك التضخم بالتوسع في كلياتها وأعداد طلابها وطالباتها؟
يقول المثل الذي تعلمته من أهل الخليج “إن دميت كلني السمك، وإن غفيت كلني الطير” ولمن لا يعرف لهجة البحارة، فدميت تعني غصت في الأعماق وغفيت تعني عمت على سطح البحر، ويبدو أنني وصلت تلك المرحلة في كتابتي هذه، عن جامعة الملك فيصل، وعليه لن يضيرنا ونحن نستعيد قصة ستنافورد أن نطرح السؤال أو الأسئلة الموجعة في هذا الموضوع، ونختصرها لضيق المساحة وللتخلص من هذا البكاء الذي نجهش به عليها: ما هي نهاية هذا التخبط الإداري والأكاديمي؟ على ماذا بنيت الموافقة بانشاء كليات جديدة والكليات السابقة المقر قيامها منذ خمسة عشر عاماً لم يكتمل انشاؤها؟ أين هي برامج تنمية الموارد الذاتية في جامعة تملك من الامكانات البشرية والمادية الكثير؟ كم من ستنافورد سعودي لم تحسن الجامعة استقطاب دعمهم والاستفادة من امكاناتهم؟ كيف يأتي ستنافورد ليتبرع لجامعة لا تحسن التخاطب مع مجتمعها؟ ترى لو أتى ستنافورد ليقابل عميد العلوم الطبية أو الأسنان أو طب الأحساء، أين سيقابلهم في شقق الاسكان أم في إحدى المزارع أو الواحات..؟ ترى كيف نصف تاريخ كلية طب الأسنان بجامعة الملك فيصل؟ هل نقول بأنها الكلية التي استغرق الاعداد لها أكثر من عشر سنوات قبل أن تستقبل أول طلابها، وربما يستغرق إنشاء مقرها ثلاثين سنة أخرى، أسوة بالمستشفى الجامعي المعلن عن إنشائه منذ ربع قرن ولم يقم حتى الآن؟
أخشى أنني أتهم بالقسوة أو (الجلافة) إن وصفت ما يحدث بأنه انتحار إداري لا يقوى عليه سوى جامعة الملك فيصل، أو هو ضرب من الأحلام الخادعة التي ندغدغ بها مشاعر الناس في زمن أصبح فيه افتتاح برنامج جامعي حدث تحتفل به دوائر التعليم والإعلام لدينا.. أم ترى أن القضية مجرد إبراز أرقام وفتوحات بغض النظر عن جودتها واكتمالها..؟
لا أجد ختاماً لهذا المقال/ المغامرة سوى الإعلان والاعتراف بفشلي وجهلي في فهم آلية ومبررات اتخاذ القرار بهذه الجامعة العريقة، رغم قربي منها، وأهيب برئيس مجلسها الأعلى وبالمجلس الأعلى للتعليم العالي وضع النقاط على الحروف، وأرى أول الحروف يتمثل في الشجاعة في مواجهة الحقيقة، والنقاط تبدأ بالتفكير الجاد والعاجل في فصل شطري الجامعة لتصبح جامعتين إحداهما بالدمام والأخرى بالأحساء، فإدارة شطرين كل منهما يحوي سبع كليات أو ثمان ومستشفيات ومراكز أبحاث أصبح يشكل صعوبة إدارية لابد من الاعتراف بها وحلها، كما يجب الاعتراف بأن محاولة السير بالشطرين بشكل متواز يتجاوب مع الضغوط الاجتماعية في كل من الأحساء وفي الدمام يشكل ضغطاً وتحدياً كبيرين لست أجزم بقدرة الجامعة على التعامل معه بوضوح وجرأة وشفافية واضحة.. أما الكلمات فلا نريد أن نسمعها لأن التاريخ سيدونها بإنصاف المعنين على حسن تبنيهم وضع النقاط فوق الحروف، أو بالتحسر وتكرار مثل هذا الحديث البائس عن جامعة تكاد أن تبلغ شيخوختها في سن الثلاثين..!
= = = = = = =
خاتمة
من أقوال الشاعر الجزائري رشيد بوحدرة:
“ما فائدة أشعاري إذا كانت أمي لا تقرأها
وأبي لما يعرف البحر بعد”
= = = = = = =