كنا نتسابق ونحن في المراحل الدراسية الأولية على قراءة زاوية الكاتب سعد الثوعي – رحمه الله – حيث كانت زاوية خفيفة الظل، قصيرة في حجمها، لاذعة في معناها، حتى أنها كانت أشبه بلافتات نقدية مركزة. منذ زمن لم ألحظ تلك النوعية من الكتابة المحلية الصادرة على شكل لافتات تحوي مزيجاً من الأمثال والقصص والأبيات الشعبية، توقعتها اختفت أو كادت أن تختفي من أدبياتنا الكتابية. الصديق الدكتور محمد حامد الغامدي تفضل علي مشكوراً بهدية جميلة تمثلت في كتابه المعنون ب «زمان الصمت» فوجدته مؤلفاً يقدم لافتات شيقة تمزج بين القصة القصيرة جداً وبين الحكمة وبين الأمثال والحكايات الشعبية، مع الأخذ في الاعتبار أن لافتات الثوعي كانت أكثر حدة في النقد ولافتات الغامدي تبدو أكثر مهادنة في الوعظ المبطن في ثنايا قصصه وحكاياته.
يشير الغامدي في مقدمته إلى أن زمان الصمت يحوي من الصمت أكثر مما يحوي من البوح، ولست أدري هل هو زمان الصمت أم صمت الزمان، ذلك الذي حواه مؤلف زمان الصمت. الدكتور الغامدي المتخصص في علوم المياه معروف عنه انشغاله بهمّ المياه في بلادنا ، يقود قضايا الحفاظ على المياه بكل بسالة حيث يمكن القول بأنه أول من قاد الحملة المضادة لزراعة القمح، على حساب المياه وهو حالياً يقود حملة أخرى تطرح نموذجا بديلاً لبناء سدود المياه التي يرى عدم جدواها من الناحية العلمية، ولذلك أتوقع أن تكون لافتاته القادمة «لافتات مائية» ففي الماء بالذات نحن بحاجة إلى البوح والوضوح أكثر من حاجتنا للصمت أو التلميح والإشارة. هذا نص زمان الصمت، أحد نصوص المجموعة:
«تجمع الأربعة في مكان ظليل.
معطين لأنفسهم وأجسادهم مساحة صغيرة من الراحة.
حتى الكلام،
أطلق للصمت العنان.
صاح أحدهم:
تكلموا.
فكان رجع الصدى هذا زمان الصمت.
قبل مغادرة المكان، قال أحدهم:
زمان الصمت هو أن تركض ولا تحقق شيئاً.
وكان لا بد للموقف من علاج،
عندها رد رجع الصدى:
ليس لأنك فاشل،
ولكن،
لأن للآخرين أكثر من رجلين.»