ركائز توطين المعرفة

هناك محاولات جادة يقودها اكثر من قطاع مثل قطاع التعليم العالي ومدينة الملك عبدالعزيز وغيرهما في مجال النهوض بالبحث العلمي وتوطين المعرفة والممارسة البحثية العالمية المتميزة بالمملكة، وفي ظني أن تلك جهود كبيرة تستحق التقدير والمؤازرة. لكن الخوف هو من وصولنا نقطة اختناق في نقل وتوطين المعرفة حين لايجد البحث العلمي المساندة لمخرجاته والبيئة المناسبة لإنتاجه. 

إحدى ركائز نجاح البحث العلمي تكمن في وجود المستهلك لذلك البحث، والذي يحول نتائجه وأفكاره إلى صناعة وفعل منتج. هذا ماحدث ويحدث بالدول الناهضة تقنياً ومعرفياً. المقصود هنا هو ذلك القادر على تحويل الفكرة البحثية إلى منتج، مما يعني الإشارة مباشرة إلى القطاع الخاص المستعد والقادر على استيعاب مخرجات البحث العلمي وتطويرها. هل يوجد لدينا القطاع الخاص المؤمن والقادر على فعل ذلك؟ البعض يرى في حركة دعم الكراسي العلمية مؤشراً إيجابياً في هذا الشأن، والبعض لايرى في ذلك الدعم سوى محاولة البروز الإعلامي والهروب من الضغوط الاجتماعية.

المعادلة صعبة لكنها تتطلب نقاشاً يبحث التوصل إلى تطوير آليات ومحفزات تسهم في ردم الفجوة بين القطاع البحثي، والقطاع الإنتاجي…

الركيزة الثانية تتمثل في مصداقية وأخلاقيات البحث العلمي ذاته. سأكون واضحاً هنا وأقول بأن البحث العلمي لدينا، وفي غالبية الدول العربية يعاني أزمة مصداقية. تبدأ الأزمة من داخل المؤسسة البحثية والأكاديمية حين تحولت العملية البحثية إلى مجرد بحث عن ترقية وظيفية وفق معايير تشريعية متواضعة. ليس سراً القول بأن هناك من ترقى على أكتاف الغير، وأن هناك من يستأجر بشكل ما أو بآخر من يُجري له البحث الذي يرقيه، حينما اصبحت الترقية هي الهدف وليس الإنتاج المعرفي. هناك خشية من وجود تجاوزات مالية يرتكبها الباحث أو فريق البحث الطامع في المال على حساب القيم والمعايير العلمية والبحثية. هناك تجاوزات في موضوع حماية الملكية الفكرية للباحثين والمؤلفين. هناك ضعف في التشريعات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان والحيوان والنبات والبيئة. وأخيراً هناك أوعية نشر علمي محلية وإقليمية تتواطأ في إفساد بيئة البحث وأخلاقياته عبر اعتمادها في النشر على معايير تخالف أخلاقيات النشر المتعارف عليها عالمياً.

جامعة الملك سعود عبر وادي الرياض للتقنية وإدارة الحقوق الفكرية تحاول وضع بذرة في هذا الشأن، لكننا بحاجة إلى جهود ومساهمات أكبر من قطاعات أخرى على المستوى الوطني. تحديداً نحن بحاجة إلى بناء الثقة إلى صناعة البحث العلمي لدينا، بكافة مراحلها التشريعية والرقابية والإنتاجية والتسويقية والتصنيعية على كافة المستويات وضمن كافة المؤسسات البحثية و العلمية والاقتصادية.

أضف تعليق