نستكمل الحديث حول طرح بعض الأفكار المتعلقة بجامعاتنا الجديدة، حيث انتهيت في المقال السابق إلى الحديث عن الشراكة مع القطاع الخاص، وأذكر قبل الانتقال إلى محور آخر بأنني سبق وأن طرحت رؤية حول خطة لتطوير الموارد الذاتية لإحدى الجامعات عبر شراكات متميزة مع القطاع الخاص، يمكن أن توفر دخلاً يوازي ما تقدمه وزارة المالية من ميزانية تشغيلية للجامعة، خلال أعوام قليلة. مثل هذه الرؤية أو التحدي أضعه أمام القائمين على جامعاتنا الجديدة، بأن عليهم البدء بعقلية إنتاجية استثمارية منذ البداية، حتى لاتبقى الجامعة عرضة للتغيرات الاقتصادية المصاحبة للميزانية الرسمية…
المقرات من المشاكل التي تعترض الجامعات الجديدة، وربما القديمة، لكنني أرجو، وفي سياق الجانب التخطيطي، بالبدء بخطوة قد تبدو صغيرة لكنها حيوية في هذا الشأن. هذه الخطوة تتمثل في وضع مخطط هيكلي لمقر الجامعة (Master Plan) الفكرة هنا هي وضع تصور لما سيتم إنشاؤه بالجامعة خلال العشر أو العشرين سنة القادمة، من مقرات الكليات والإدارات المساندة وغيرها، وبالتالي فإنه حتى ولو تأخر إنشاء بعض الكليات فإنها لن تكون نشازاً حين يتم إنشاؤها، حيث سنعلم أين ستكون المواقف وأين ستكون الكلية وأين ستكون الإدارة والملاعب والإسكان وغيرها، ولن تجد الجامعة مجرد (كشكول) من المباني غير المتناسقة والمترابطة، كما هو حاصل الآن لدى بعض الجامعات. بعد ذلك يأتي الإنشاء والبناء بما يتوافق مع الأولويات والإمكانات التي تحددها الخطط، ووفق المخطط الهيكلي للمدينة الجامعية..
جامعاتنا القائمة توصم بالترهل الإداري والخشية تكمن في انتقال ذلك إلى الجامعات الوليدة حين نفتقد التجديد والابتكار. مع إيماني (بمطاطية) هذه الكلمة ومدلولاتها، وعدم قدرة شخص واحد على ضبطها حيث يتداخل فيها الاجتماعي مع السياسي مع التنظيمي، إلا أنني أراها مسؤولية إدارة الجامعة التأسيسية في وضع تنظيم إداري قادر على الصمود والإبداع في أوجه الأعاصير البيروقراطية السلبية المستقبلية، بما في ذلك الاستعانة بجهات تنظيمية متخصصة تتولى وضع الهياكل واللوائح الإدارية والتنظيمية والمالية للجامعة، بشكل يؤسس لعمل منهجيي واضح.
أخيراً اتمنى ان لايمتطي القائمون على تأسيس الجامعات الجديدة الحديث عن أعداد قبول الطلاب والكليات والأقسام، فالمطلوب منهم في البداية وما سيحسبه التاريخ عليهم هو إرساء دعائم جامعة للمستقبل، جامعة تستقطب الباحث وعضو هيئة التدريس المتميز، جامعة يطمئن لها ولي الأمر ويفتخر الطالب بالانتساب إليها، جامعة تفاخر باسم منطقتها ويفاخر بها الوطن كإضافة تنموية متميزة تجود بها أرض الكرم والجود..