ديبول وجامعاتنا السعودية

    أنشئت جامعة ديبول الأمريكية عام 1898م واستمرت كجامعة صغيرة طيلة سنوات طويلة من عمرها حتى انها كانت توصف قبل عقدين من الزمان بأنها صاحبة أحد أسوأ المقرات الأكاديمية بالولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه الجامعة الصغيرة وخلال عشر سنوات فقط تحولت من وضعها المزري لتصبح أفضل جامعة كاثوليكية وسابع أكبر جامعة خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، وتضاعف عدد طلابها من 11000طالب إلى 23600طالب، بل ان عدد طلابها المستجدين تضاعف ثلاث مرات تقريباً من 750طالب إلى 2260طالب.

هذه جامعة خاصة في بلد يزخر بكثرة الجامعات المتنافسة، وبنظامه الاقتصادي الذي لايتيح الحصول على ميزانيات مفتوحة دون عمل منظم وواضح الجدوى، فكيف حدثت هذه النقلة النوعية في مسار هذه الجامعة الصغيرة؟

ليس هناك سر معقد في العملية، فالبداية كانت بوجود قيادة إدارية، يساندها مجلس أمناء متميز، تملك خطة وأهدافا إستراتيجية واضحة انطلقت منها نحو بناء شراكة واضحة مع محيطها الحكومي والخاص، مما مكنها من توفير فرص الحصول على مقرات أعادت تجهيزها ومكنها من الحصول على الدعم اللازم لتطوير مقراتها وقدراتها الإنشائية والأكاديمية. مائة عام لم تثن إدارة الجامعة ولم تجعلها تستكين وتقتنع بحظوظها كجامعة متواضعة، وإنما الرؤية والإرادة الواضحة أحالت شكل تلك الجامعة من واحدة من أسوأ الجامعات إلى جامعة متميزة خلال برنامج مكثف تم على مدى عشر سنوات فقط…

بالتأكيد لست أحتفل بنجاحات الاخرين عبر نقل معلومات متوفرة في المراجع المتخصصة، لكن أستدل بذلك على السبات الذي تعيشه جامعاتنا و اعتمادها الكلي على الميزانيات الرسمية الحكومية، دون التوجه بشكل جريء وفعال نحو الشراكة مع محيطها. لن أذكر جامعة بذاتها، فالوضع يكاد ينطبق على الغالبية، وقد سبق أن راهنت ولازلت أراهن على إمكانية تحويل بعض جامعاتنا، أو فروعها، إلى جامعات يتضاعف عدد المقبولين بها وتتضاعف إمكانياتها الإنشائية وتتضاعف مواردها الذاتية، خلال فترة تقل عما فعلته جامعة ديبول، متى تحررت من كوابح البيروقراطية والنظر للماضي أكثر من المستقبل، ومتى أخذت بالأساليب الإدارية التنموية والتخطيطية الحديثة.

تبدو لي الإشكالية في قناعات وفلسفات الإدارة الجامعية لدينا، حيث تعتقد قيادة الجامعة بأن مهمتها هي تطبيق اللوائح وتخريج الطلاب، وحتى عندما أبدعت في تطوير الموارد كان ذلك عبر برامج مشوهة بعضها يتنافى مع أدبيات التعليم (كبرامج التعليم الموازي والدبلومات). أنا أجزم وأطمئن قياديا جامعاتنا بأن مهمة تخريج الطلاب وتطبيق اللوائح ستسير بهم وبدونهم، وبالتالي فمن الأسلم لهم التركيز عليها طالما لاتتجاوز رؤيتهم لمستقبل الجامعة أكثر من ذلك، ولننتظر عقودا أخرى من الزمن كما انتظرت جامعة دي بول، فقد يهيأ لنا قيادات إدارية تملك الرؤية الاقتصادية والإستراتيجية التي تدعمها الجرأة والتركيز في التعامل مع الأفكار الحديثة والخلاقة في إدارات الجامعات، أما أنا وأمثالي ( المتعجلون) فليس لنا سوى الحسرة على عدم رؤيتنا للأفكار الإبداعية الحديثة في مجال التنظيم والتخطيط والإدارة تغزو جامعاتنا وتسيطر على مؤسساتنا الأكاديمية بصفة عامة.

أضف تعليق