كتبتُ في المقالين السابقين مقدمات حول الدراسة المقترحة لتعديل النظام الصحي السعودي، ولم يمهلني البعض حتى أكمل تساؤلاتي وتصوراتي في هذا الموضوع، مما يجعلني أنبه إلى أن الإجابة لا تكون مكتملة دون قراءة سلسلة المقالات التي أطرحها في هذا الموضوع. أعود لموضوعنا فأكرر السؤال بطريقة مختلفة، هل سبب القصور يكمن في النظام أم في تنفيذ النظام؟ هل عدم القدرة على التطوير أو عدم القدرة على التغلب على أوجه القصور سببه قصور التشريعات أم قصور الأداء الإداري والتنفيذي؟ هل فشل النظام الصحي الجديد رغم عمره القصير؟
يبدو لي بأن الخطة المطروحة للتغيير (راديكالية) في الأسلوب الذي تريد اتباعه، عطفاً على بيئتنا وقدراتنا الإدارية والاجتماعية، وما أخشاه هو أن تضعنا في دائرة من (اللا استقرار) بالنسبة للنظام الصحي (Destabilize the system)، فتخفي عنا عيوباً ومشاكل كثيرة تحدث في الممارسات اليومية ليس سببها النظام الصحي بقدر ما هو الإهمال والقصور التنفيذي!
هل نرفض خطة التطوير المقترحة، لمجرد أنها قدمت بطريقة لا تلائمنا؟
الإجابة، ستكون بالنفي حيث لا يجوز إغفال أهمية التطوير والجهد المبذول في هذا الشأن، لكنني أطرح تساؤلات (تحديات)وخيارات أتقمص فيها الدور المحافظ أو المتحفظ ، وهي ليست بالضرورة ترفض جميع أجزاء الدراسة بقدر ماتحاول التأكد من معرفتنا بكل خطوة نقوم بها والتأكد من المخرج النهائي للدراسة…
يقلقني أحياناً سؤال إداري: هل يمكننا تقبل الآراء من إداري يمارس عكس ما يقترحه؟ و بشفافية (أو سموها جلافة) أكبر، أقول بأن بعض الأفكار المطروحة لا تدعمها شواهد تؤكد الإيمان بها في الممارسة الإدارية بوزارة الصحة، أو قل بأن الممارسة تتناقض مع بعض ما تطالب به في دراستها، محل النقاش. قلقي أو تحفظي الذي يتعارض مع رغبتي وحماسي للتغيير يكمن في السؤال كيف ستكون مخرجات تغيير النظام، طالما سيظل نفس الفكر هو الذي سيتولى التغيير؟
تحملوا أسئلتي وأمثلتي قليلاً:
من ضمن مقترحات الدراسة تخلص وزارة الصحة من الإشراف على التعليم الصحي. ألا يتناقض ذلك مع التوجه الإداري بوزارة الصحة الداعي أو الهادف أو المتوجه نحو إنشاء كليات طب وعلوم صحية وتمريض وعلوم طبية بمستشفيات وزارة الصحة بمختلف مناطق المملكة؟ هذا يعني أن هناك تضارباً فيما يطالب به عبر التنظيم المقترح وبين ما ينفذ على أرض الواقع..
وزارة الصحة ترى بأن هناك قصوراً في مستوى أداء أطباء الرعاية الاولية، فنسألها كم عدد الأطباء الذين ابتعثوا من قبل وزارة الصحة في مجال الرعاية الاولية وطب الأسرة؟ هل منع النظام الصحي القائم وزارة الصحة من تأهيل أطباء عائلة متميزين عبر الابتعاث؟ وزارة الصحة تطالب بالتنسيق بين القطاعات الصحية، فهل قامت هي بالتنسيق قبل افتتاح مزيد من مراكز القلب والعقم والأورام وغيرها؟
أخشى أننا نخرم السفينة لنطالب بتبديلها، أو أننا نهرب من مواجهة قصورنا بتحميل ذلك على شماعة النظام. على كل حال، الشماعة علقتها وزارة الصحة بصورة ذكية من خلال عرض مقترحات النظام الجديد لوسائل الإعلام والمجتمع قبل مناقشته بشكل كاف مع المنتمين للوسط الصحي والإداري…
(يتبع)