أعلنت وزارة الصحة عن دراسة أو رؤية جديدة لمستقبل النظام الصحي في المملكة، وقبل أن نطرح بعض التساؤلات نشير إلى أن الدراسة (افضل تسميتها بالدراسة، رغم أن البعض أسماها نظاماً والبعض أسماها خطة استراتيجية) حوت كثيراً من الأفكار ولخصت العديد من الخيارات التي تستحق النقاش بتمعن ليس فقط من قبل الأطباء ولكن من خبراء الإدارة والاقتصاد والتخطيط، حيث إن الدراسة تحوي أبعاداً اقتصادية وإدارية واجتماعية وليس طبية فقط.
عندما نتحدث عن تغيير النظام الصحي، فذلك ليس بجديد على المستوى العالمي. نذكر على سبيل المثال بأن الولايات المتحدة في عهد رئيسها السابق (بيل كلينتون) حاولت إيجاد نظام صحي متطور، حيث عهد بالملف الصحي للسيدة هيلاري كلينتون، التي حاولت أن تلعب دوراً سياسياً مبكراً في عهد الرئيس كلينتون عبر ذلك الملف. قدمت السيدة كلينتون ملفاً ضخماً متشعباً زاد عدد صفحاته على ألف صفحة إلى الجهات التشريعية بالولايات المتحدة الأمريكية، فسقط ذلك الملف او النظام المقترح بالضربة القاضية. ليس لأن معلوماته فقيرة، بل لأنه يتعارض مع توجهات السياسة الامريكية العامة ولأن المشرع رأى فيه تجاوزاً لبعض الخطوط الحمراء المتعلقة بالاقتصاد الحرواللامركزية السياسية وغير ذلك من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.
كندا هي الأخرى لم يكن هناك رضا كاف بأداء القطاع الصحي ، فقامت الحكومة السابقة (حكومة كريتيان) بتكليف أحد القادة الصحيين بإعداد تقرير سمي باسمه فيما بعد حول القطاع الصحي في عموم كندا، فتولى تشكيل فريق من المتخصصين وجال في جميع الولايات الكندية والجامعات يجمع المعلومات ويستطلع الرؤى والملاحظات من كافة المعنيين بالقطاعات الصحية في الولايات الكندية، قبل أن يعود فتعرض الحكومة ذلك التقرير بمجالسها التشريعية ليحظى بالنقاش والجدل السياسي والاقتصادي والصحي، لفترة طويلة… في كندا كذلك استغرقت خطة دمج ثلاثة مستشفيات بمونتريال أكثر من أربع سنوات، وهي التي أصبحت نموذجا في العديد من المدن الكندية الأخرى التي تحولت إلى دمج إدارات المستشفيات بكل ولاية تقريباً..
قبل أيام قرأنا بأن منظمة الصحة العالمية تحذر من إنهيار بعض الأنظمة الصحية ببعض دول آسيا، رغم محاولتها التطويرية التي وقف خلفها البنك الدولي في حالات كثيرة..
محلياً أعتقد أن وزارة الصحة لديها الخلفية الكافية عن مشاريع التطوير أو التغيير الكبرى التي بدأتها فأستغرق تطبيقها سنوات عديدة، فعلى سبيل المثال نظام الضمان الصحي كم استغرق إعداده؟ هل تم تطبيقه؟ لماذا لم يطبق بشكل كامل بعد؟
الإشارة للتجارب أعلاه ليست بغرض تكسير المجاديف والهمم العالية الساعية لتطوير نظامنا الصحي، لكنه تمهيد يوضح حاجتنا للاطلاع على نماذج التغيير وسبب نجاحها أو فشلها، كما يبين بأن طبيعة النظم الصحية تجعل أي تغيير فيها يتسم بالتعقيد والصعوبات…
(يتبع).