يتوقع أن تكون المناهج عنواناً رئيساً ضمن نقاشات الحوار الفكري الذي سيعقد خلال أيام بمنطقة الجوف، وعليه نطرح بعض الأفكار حول الأساسيات التي يجب أن ترتكز عليها طرق التطوير أو التغيير في المناهج، وأول الإشكاليات هنا تبدأ من تعريف المنهج الدراسي، حيث نرى الغالبية تحصره في الكتاب المدرسي، مما يستوجب البدء بشرح بعض المفاهيم الأساسية في هذا الشأن.
هناك ثلاثة عناصر رئيسية يتعلمها المتعلم، المعارف والمهارات والسلوكيات. ما تقدمه لنا الكتب في الغالب هو المعارف أو المعلومات، لكن مساهمة الكتب في موضوع المهارات والسلوكيات يتضاءل ليحل محله طرق التدريس والتربية وكفاءة المعلم في نقل المعلومة وربطها بمهارات يتم تعلمها وسلوكيات يتم ممارستها. لا أعتقد أن لدينا نقصاً في حجم مواد اللغة العربية أو الدينية في مدارسنا، على سبيل المثال، لكن تحويل تلك المواد إلى سلوك ومهارات حياتية وتربوية هو مكمن النقص في تلك المناهج، إما بسبب محتواها الذي يركز على تقديم المعلومة بطريقة نصوصية غير مستوعبة وإما بسبب ضعف مهارات المعلم الذي يتحول إلى ملقن أكثر منه معلم في هذه الحالة.
الجانب العلمي الآخر المتعارف عليه في قضية المناهج هو وجود منهج مكتوب ومنهج يتم تعليمه من قبل المدرس ومنهج يتم تعلمه أو استيعابه من لدن الطالب. كلما تقلصت الفجوة بين المكتوب والمتعلم (بفتح التاء والعين) كلما كانت العملية التعليمية موفقة. هل فعلاً المكتوب في كتبنا يتم تعلمه بشكل إيجابي أم أن المكتوب شيء وما يتم تحصيله وتعلمه من قبل الطالب شيء أخر؟
نحن نركز على الكتب وما تحويه من معلومات مع إهمال كبير لبقية مكونات المنهج من مهارات وسلوكيات ولوسائل قياس المخرج النهائي للعملية التعليمية، وهذا يقود إلى السؤال كيف نقيس المخرج النهائي ونحن لا نعرف الهدف المطلوب الوصول إليه؟ كيف نتحقق من فوز العداء بالسباق ونحن لا نعرف نقطة النهاية التي يجب أن يصلها والمسافة التي يجب أن يقطعها؟
مناهجنا وخططنا التعليمية لا تملك الإجابة التي نبحث عنها، ما هي الأهداف التعليمية والتربوية المطلوبة من تعليمنا لكل مرحلة دراسية ولكل مقرر دراسي؟ يبدو الهدف وكأنه مجرد إكمال الكتاب المدرسي بأي طريقةٍ كانت، أو بمعنى آخر يبدو إنهاء الكتاب الذي يفترض أن يكون مجرد وسيلة لتحقيق أهداف محددة، كهدف بذاته… سأوضح الأمر؛ هل يعلم أحدكم، كأولياء أمور، ما هي الأهداف التعليمية والتربوية المطلوب تحقيقها لابنه أو ابنته بنهاية الصف الدراسي الثالث أو الرابع أو العاشر أو الأول؟ كل ما لدينا هو كتب نحاول مشاركة المدرسة في إنهائها من قبل الأبناء الطلاب، لكننا لا نعرف المخرجات المتوقعة من كل مرحلة، نعتقد أن أبناءنا يتعلمون بشكل جيد فنفاجأ في نهاية المرحلة الثانوية بأن أحدهم لا يجيد كتابة خطاب مكون من صفحة واحدة أو يجمع عملية حسابية متواضعة أو يمارس سلوكية تربوية أساسية، حينها لا ندري هل نلوم معلم الصف الرابع أو السادس أو المتوسط أو الثانوي. تحقيق الأبناء للأهداف المكتوبة لكل مرحلة هي دليلنا للتأكد من النجاح ودليلنا للمتابعة والمحاسبة إن اقتضى الأمر للنظام التعليمي وللمدرس والمدرسة… مع التأكيد على أننا نبحث عن الأهداف المرحلية الواضحة لا الغايات النهائية (المفخمة) الصيغ والتي لا يمكن الإمساك بها أو قياسها بالشكل المناسب.