كتبت في المقال السابق بأنني ابحث عن الأهداف التي يجب أن يقود إليها تعليمنا في كل مرحلة من مراحله وكل صف دراسي من صفوفه وربما في كل مادة أو وحدة مواد، فلا أجدها وبالتالي لا أستطيع أن أجيب على الأسئلة هل حقق التعليم لدينا أهدافه، لأن الأهداف أساسا غير موجودة وبالتالي الغايات أصبح تقييمنا لها (انطباعيا) وهذا الأمر يقودني إلى طرح رؤية أخرى في تطوير المناهج قد تخرجنا من دائرة التطوير الذي ما برح يدور حول التحسين الشكلي للكتب المقررة. سبق أن طرحت هذه الرؤية، لكن مناسبة المؤتمر الوطني للحوار تستوجب الإعادة بصياغة مختلفة.
أنا اقترح على وزارة التربية والتعليم أن تتوقف عن تأليف الكتب الدراسية وتبدأ في وضع الأهداف لكل مرحلة ولكل مادة أو وحدة مواد ( وحدة مواد اللغة العربية أو الدينية على سبيل المثال). هذا مشروع قد نبدؤه بشكل مبسط بأن نحدد الأهداف التعليمية والتربوية المتوقعة من كل مادة، صفحة واحدة أو صفحتان قد تكفيان لكل مقرر أو لكل فصل أو مستوى دراسي. ضعوا الأهداف واعتبروا المناهج التي تم تأليفها مصادر مرجعية يمكن الرجوع إليها واتركوا للمعلم المساهمة في الطريقة التي يحقق بها تلك الأهداف، افتحوا المجال للمبدعين لتأليف مصادر أخرى تحقق الأهداف الموضوعة. إذا لم يكن لديكم ثقة في جميع المعلمين فليتم البدء ببعض المدارس، ليتم البدء بمدارس القطاع الأهلي فئة أ. ابدؤوا ببعض المناهج، اللغة العربية على سبيل المثال، أو بعض المراحل، الابتدائية على سبيل المثال…
أريد أن أرى لجنة علمية بوزارة التربية مهمتها تقييم مصادر التعلم التي يقدمها المعلمون سواء مؤلفات أو وسائل تعليم لتحقيق الأهداف التي وضعت سلفاً، وتقدير المتميز منها بدعم نشره على بقية المدارس. طالما الهدف النهائي سيتحقق لماذا الإصرار على كتاب بذاته؟ على سبيل المثال إذا كان الهدف الرئيسي من تعليم مادة اللغة العربية هو تعلم القراءة والكتابة، فلم الإصرار على كتاب بذاته للغة بينما يمكن للمعلم استخدام مرجع أو طريقة أخرى لتحقيق الهدف المتمثل في تعلم القراءة والكتابة حسب المستوى المطلوب؟
نسمع في بعض الدول بأن الطالب يتعلم في المنزل؟ كيف يحدث ذلك وكيف يتم تقويم شهادته؟ الإجابة ببساطة هي وضوح الأهداف، التي تجعل بعض أولياء الأمور في تلك الدول قادرين على تحقيقها دون ذهاب الأبناء للمدرسة، وقادرين على تهيئة أبنائهم على اجتياز برامج التقويم والقياس المعدة في هذا الشأن…
لابد من الجرأة والانفتاح إذا كنا نريد التطوير، لأن التحفظ وإدارة الأمور الإبداعية بهذا الشكل لن تحقق لنا جديداً وسنظل ندور في فلك معاملات ومبررات لا نهاية لها. لابد من استنهاض القاعدة التعليمية ( الباحثين والمعلمين والمهتمين) للمساهمة في التطوير بدلاً من الركون إلى مجرد التحسين لمقررات وكتب قائمة، وكأننا نرى أن تلك الكتب مقدسة ولا يجب استحداث جديد ينافسها وإنما المطلوب دائماً هو التحسين لها. لابد من تغيير النظرة التقليدية لإدارة تطوير المنهج الدراسي التي يعتقد أنها مجرد تأليف كتب وتأليف الكتب لدينا هو أمر محتكر ويتم عبر الطرق الإدارية المتميزة بالبيروقراطية الهرمية التي تباعد بين القاعدة في الميدان والقمة في الأبراج الإدارية….